يواجه الصومال واحدة من أكبر أزمات الأمن السيبراني في تاريخه الحديث بعد تأكيد تسرب عشرات الآلاف من السجلات الحساسة من نظام التأشيرات الإلكترونية (e-Visa)، الذي أطلقته وكالة الهجرة والجنسية الصومالية (ICA) في سبتمبر الماضي. وتشمل البيانات المسربة جوازات سفر وصوراً شخصية ومعلومات مالية تعود إلى دبلوماسيين، وعمال إغاثة، ومسافرين من أكثر من 40 دولة.
ثغرة تقنية أم فشل إداري شامل؟
بحسب تقارير أمنية صادرة عن باحثين صوماليين مستقلين، فإن الاختراق لم يكن نتيجة “هجوم إلكتروني معقد”، بل بسبب خلل تصميمي بسيط في موقع النظام الرسمي (etas.gov.so)، إذ تمكن أي مستخدم من الوصول إلى بيانات المتقدمين بتغيير بسيط في أرقام روابط الطلبات.
الباحث الأمني محمد جامع كشف الثغرة في أواخر أكتوبر، محذراً من “كارثة وطنية قادمة”، لكن الموقع ظل يعمل حتى تسرب البيانات بالكامل في 10 نوفمبر 2025.
تشير التحقيقات الأولية إلى أن أكثر من 35 ألف سجل نُشرت على الإنترنت، تتضمن بيانات حساسة تعود إلى دبلوماسيين أمريكيين وبريطانيين وأوروبيين، بالإضافة إلى موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية.
اتهامات بالاحتيال وغموض حول شركة التشغيل
يرتبط تشغيل النظام بشركة خاصة تُدعى Empire Tech Solutions، يُعتقد أنها مسجلة في كينيا وتستخدم حسابات Gmail لإدارة المدفوعات.
يفرض النظام رسوماً تبلغ 64 دولاراً لكل طلب تأشيرة، تُحوَّل مباشرةً إلى حسابات حكومية، لكن تقارير متعددة – منها Somali Guardian وSomaliland Chronicle – تشير إلى أن جزءاً من العائدات يُحوَّل عبر قنوات غير رسمية.
ورغم الاتهامات التي طالت مقربين من الرئيس حسن شيخ محمود بالاستفادة من النظام، لا يوجد دليل قاطع حتى الآن على تورط مباشر للرئاسة. غير أن مراقبين اعتبروا أن الإهمال في الإشراف على المشروع يمثل “تواطؤاً صامتاً” في الفشل.
خلافات داخلية وتداعيات سياسية
منذ إطلاق النظام، رفضت بونتلاند وأرض الصومال تطبيقه، ووصفتاه بأنه “ابتزاز رقمي” ومحاولة لفرض سيطرة مالية من الحكومة الفيدرالية.
وبعد التسريب، زادت حدة التوتر بين مقديشو والأقاليم، خاصةً بعد أن علقت بعض المطارات الإقليمية التعامل مع التأشيرات الإلكترونية، مما أدى إلى ارتباك في حركة السفر وتعليق بعض الرحلات الجوية.
مخاطر أمنية إقليمية
المخاوف الأكبر تتركز على أن بيانات المسافرين، ومن بينهم عاملون في المجال الإنساني ودبلوماسيون، قد تقع في أيدي جماعات مسلحة مثل حركة الشباب، ما يعرض حياتهم للخطر.
كما أثار التسريب قلقاً بين شركاء الصومال الدوليين، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين دعما برامج الرقمنة الحكومية ضمن مشاريع تعزيز الحوكمة والأمن.
صمت رسمي وتحقيقات قيد الإعداد
حتى 11 نوفمبر، لم تصدر الحكومة الفيدرالية بياناً رسمياً بشأن الحادثة.
مصدر داخل وزارة الاتصالات أكد لصحيفة محلية أن تحقيقاً فنياً داخلياً بدأ بالتعاون مع “فريق الاستجابة الطارئة للحوادث السيبرانية”، وسط مطالبات من المجتمع الدولي بتجميد النظام مؤقتاً.
جوازات السفر الكولومبية تثير الجدل
كشفت البيانات المسربة أيضاً عن عشرات جوازات السفر الكولومبية التي تمت معالجتها عبر النظام، يُعتقد أن أصحابها رجال أمن سابقون جرى نقلهم عبر مطارات صومالية إلى السودان لدعم قوات الدعم السريع (RSF).
ويربط محللون هذه القضية بتقارير سابقة من Middle East Eye وThe Africa Report تتحدث عن دور لوجستي لبونتلاند في تسهيل مرور مرتزقة وأسلحة نحو السودان عبر مطار بوساسو، رغم نفي الحكومة الصومالية أي تورط رسمي.










