قراءة معمّقة في نتائج استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) قبل الضربة… وكيف تفسّر ما يحدث اليوم
تل أبيب- المنشر الإخباري
عندما بدأت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد إيران، انشغل العالم بقراءة أبعاد القرار: هل هو تحوّل استراتيجي؟ هل هو مقامرة محسوبة؟ أم أنه كان مسألة وقت لا أكثر؟
لكن بعيدًا عن حسابات الطائرات والصواريخ، كان هناك سؤال أكثر عمقًا: ماذا كان يفكر المجتمع الإسرائيلي نفسه قبل أن تبدأ الحرب؟
الإجابة لا تكمن في التصريحات الرسمية، بل في استطلاع رأي نُشر في 2 مارس 2026 عن طريق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أُجري قبل الضربة بأيام قليلة، وتحديدًا بين 17 و22 فبراير. هذا التوقيت يمنح نتائجه أهمية خاصة؛ فهو يعكس المزاج العام في اللحظة التي سبقت اتخاذ القرار، لا بعد أن فرضت الوقائع العسكرية سرديتها.
النتائج ترسم صورة مركبة: مجتمع لا يرفض الحرب بالكامل، لكنه ليس موحدًا خلفها. جمهور يثق بجيشه بدرجة عالية، لكنه يتعامل بحذر مع قيادته السياسية. شعور بالقوة الدفاعية، يقابله قلق اجتماعي عميق. إدراك واضح لخطورة إيران، يقابله انقسام داخلي حاد.
هذه ليست مجرد أرقام… إنها خريطة داخلية لدولة دخلت حربًا فوق أرض منقسمة.
فكرة الهجوم… من هامش النقاش إلى خيار واقعي
أبرز ما كشفه الاستطلاع أن 50.5% من الإسرائيليين أيدوا شن هجوم عسكري مستقل على إيران في حال امتنعت الولايات المتحدة عن المشاركة.
هذه النسبة ليست مجرد أغلبية بسيطة؛ إنها تعبير عن انتقال فكرة المواجهة من إطار الردع النظري إلى احتمال عملي.
لأعوام طويلة، ظل الحديث عن ضرب المنشآت الإيرانية يدور في نطاق التهديد الاستراتيجي، أو ضمن إطار “الخط الأحمر”. لكن تأييد نصف المجتمع تقريبًا لفكرة الهجوم المنفرد يعني أن فكرة الحرب لم تكن صادمة نفسيًا.
ومع ذلك، فإن الوجه الآخر للرقم لا يقل أهمية: نحو نصف المجتمع لم يمنح هذه الخطوة دعمه. هذا الانقسام يحمل دلالة سياسية وأمنية. فالدول التي تدخل الحروب بإجماع داخلي واسع تملك هامشًا أكبر للتحمل، أما الدول التي تنطلق من قاعدة منقسمة فتواجه اختبارات مبكرة للتماسك.
هذا التوازن الدقيق يوحي بأن إسرائيل لم تدخل الحرب بدفعة إجماع وطني كامل، بل بميزان سياسي واجتماعي حساس قد يتأثر سريعًا بتطورات الميدان.
الثقة بالقدرة الدفاعية… إحساس بالقوة أم اطمئنان مفرط؟
أفاد 72.5% من المشاركين بأن قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلية كافية لردع أو امتصاص أي هجوم إيراني.
هذا الرقم يكشف عن عنصر نفسي بالغ الأهمية: الشعور بالحصانة.
المجتمع الذي يعتقد أن بلاده قادرة على اعتراض الصواريخ واحتواء الضربات الأولى يكون أقل ميلًا إلى الخوف من التصعيد. هذا الإحساس يمنح صانع القرار مساحة أوسع للتحرك.
لكن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ المعترَضة. فالمواجهة مع إيران تحمل أبعادًا متعددة:
• جبهات محتملة في الشمال أو الجنوب
• عمليات سيبرانية
• ضغوط اقتصادية
• تهديدات للبنية التحتية
• تصعيد إقليمي متدرج
الثقة العالية بسلاح الدفاع تمنح شجاعة، لكنها قد تخلق أيضًا توقعات مبالغًا فيها حول قدرة الدولة على احتواء كل السيناريوهات.
في حال واجهت إسرائيل موجات متعددة من الهجمات أو امتدادًا زمنيًا طويلًا للصراع، فإن هذا الإحساس بالحصانة سيخضع لاختبار قاسٍ.
المؤسسة العسكرية… رأس مال الثقة الأكبر
الأرقام المتعلقة بالثقة تكشف مفارقة لافتة.
76% عبّروا عن ثقة عالية في الجيش.
79% في سلاح الجو.
82% في قيادة الجبهة الداخلية.
63% في رئيس الأركان.
هذه نسب مرتفعة تعكس مكانة المؤسسة العسكرية في الوعي الجمعي الإسرائيلي. الجيش ليس مجرد جهاز أمني، بل هو جزء من الهوية الوطنية، وركيزة أساسية لفكرة البقاء.
لكن الثقة العالية بالمؤسسة العسكرية تطرح سؤالًا آخر: ماذا يحدث عندما تكون الثقة بالجيش أعلى بكثير من الثقة بالحكومة التي تتخذ قرار الحرب؟
الحكومة في مرمى الشك
في المقابل، لم تتجاوز نسبة الثقة العالية بالحكومة 30%، فيما بلغت الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نحو 34%.
هذه الفجوة بين الجيش والسياسة تعني أن الجمهور يفرّق بوضوح بين “من ينفذ” و”من يقرر”.
الثقة بالمؤسسة المنفذة لا تعني بالضرورة ثقة مطلقة بالقرار السياسي الذي أطلق الحرب.
في المراحل الأولى من الصراعات، غالبًا ما يحدث التفاف حول القيادة. لكن هذا الالتفاف يتآكل سريعًا إذا تعقدت المعركة أو ارتفعت الكلفة البشرية والاقتصادية.
الاستطلاع، قبل الحرب، كان بمثابة إنذار مبكر: القرار العسكري قد يحظى بغطاء أمني، لكنه لا يملك قاعدة سياسية صلبة بالكامل.
الأمن القومي… تقييم متردد
عند تقييم الوضع العام للأمن القومي، انقسمت الآراء تقريبًا بالتساوي بين من يراه جيدًا ومن يراه سيئًا، بينما وضعه ثلث المستطلعين في خانة “المتوسط”.
المتوسط العام بلغ 5.7 من 10 — رقم يعكس حالة توازن هش.
هذا ليس مجتمعًا يشعر بالاطمئنان الكامل، ولا مجتمعًا يعيش في حالة انهيار. إنها منطقة رمادية، يمكن أن تميل بسرعة في أي اتجاه.
في مثل هذه البيئة النفسية، تكون نتائج الأيام الأولى من الحرب حاسمة.
نجاح سريع قد يرفع المؤشر نحو التفاؤل، بينما إخفاق مفاجئ قد يبدد الثقة بسرعة.
إيران… التهديد الأول بلا منازع
قبل اندلاع المواجهة، كانت إيران تتصدر قائمة المخاوف لدى 67% من الإسرائيليين.
وعند سؤالهم عن القضية الأكثر إلحاحًا، اختار 36% المشروع النووي الإيراني، يليه ملف الصواريخ الباليستية.
هذا الترتيب يؤكد أن الحرب لم تأتِ في فراغ إدراكي.
إيران كانت تُرى باعتبارها الخطر المركزي، لا مجرد ملف إقليمي آخر.
لكن اللافت أن المخاوف لم تكن أحادية. فإلى جانب إيران، كانت هناك هواجس تتعلق بلبنان وغزة والضفة الغربية.
هذا يعني أن المجتمع كان يدرك أن أي تصعيد مع طهران قد يتداخل مع جبهات أخرى.
الفجوة بين اليهود والعرب… انقسام في إدراك الأمن
أظهر الاستطلاع تباينات واضحة بين اليهود والعرب داخل إسرائيل في تقييم الوضع الأمني والشعور بالأمان الشخصي.
نسبة أكبر من اليهود قيّمت الوضع بأنه جيد، بينما عبّر قطاع واسع من العرب عن تقييم سلبي.
هذا التباين يعكس اختلافًا في موقع كل فئة داخل معادلة الدولة والأمن.
في زمن الحرب، تتحول هذه الفجوات إلى عنصر حساس للغاية.
إدارة الجبهة الداخلية لا تتعلق فقط بتوفير الملاجئ، بل بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع الاحتقان.
الاستقطاب السياسي… حرب فوق خطوط انقسام
الاستطلاع أظهر فجوة واضحة بين أنصار الائتلاف والمعارضة في تقييم الوضع الأمني والثقة بالحكومة.
أنصار الائتلاف كانوا أكثر تفاؤلًا، وأكثر ثقة بالقيادة.
أنصار المعارضة أكثر تشككًا.
هذا يعني أن الحرب بدأت فوق أرض سياسية منقسمة أصلًا.
وإذا طال أمدها، فقد تعود الخلافات بقوة إلى السطح، خصوصًا إذا اختلفت التقديرات حول أهداف الحرب أو نتائجها.
القلق الاجتماعي… جبهة داخلية مثقلة
أحد أكثر الأرقام دلالة أن 84% أعربوا عن قلقهم من التوترات الاجتماعية داخل إسرائيل، فيما رأى 66% أن التضامن المجتمعي ضعيف أو غير كافٍ.
هذا يعني أن المجتمع لم يدخل الحرب في ذروة تماسكه.
بل دخلها وهو يحمل توترات كامنة.
في الحروب القصيرة، قد يتراجع هذا القلق تحت تأثير “التهديد الخارجي”.
لكن في الحروب الطويلة، تعود الانقسامات الداخلية بقوة أكبر.
الاقتصاد… الغائب الحاضر
رغم أن الاستطلاع ركّز على الأمن، فإن أي قراءة معمقة لا يمكن أن تتجاهل البعد الاقتصادي.
الحرب مع إيران لا تعني فقط مواجهة عسكرية، بل احتمال اضطراب الأسواق، تراجع الاستثمارات، ضغط على العملة، وزيادة الإنفاق الدفاعي.
المجتمع الذي يثق بجيشه قد يصبر عسكريًا، لكن صبره الاقتصادي ليس بلا حدود.
البعد النفسي… بين الثقة والخوف
الاستطلاع يكشف توازنًا نفسيًا معقدًا:
• ثقة عالية بالقدرة العسكرية
• قلق مرتفع من الانقسام الاجتماعي
• إدراك حاد للتهديد الإيراني
• شكوك سياسية
هذا الخليط يصنع بيئة حساسة لأي صدمة.
قراءة ختامية: الحرب تبدأ من الداخل
قبل أن تنطلق الطائرات، كانت إسرائيل تعيش لحظة توازن هش:
قوة صلبة واضحة، وهشاشة سياسية واجتماعية كامنة.
الاستطلاع لم يكن مجرد قياس رأي، بل وثيقة نفسية تسبق الانفجار.
هو يوضح أن الحرب لم تبدأ فقط بقرار عسكري، بل بقرار اتخذ في مجتمع منقسم نسبيًا، وقلق اجتماعيًا، لكنه واثق بقوته العسكرية.
السؤال الذي يظل مفتوحًا الآن:
هل تكفي الثقة بالمؤسسة العسكرية لتعويض فجوة الثقة السياسية؟
وهل يوحد التهديد الخارجي مجتمعًا متوترًا داخليًا، أم يكشف هشاشته مع مرور الوقت؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب. لكن ما هو مؤكد أن المعركة، مهما كانت نتائجها الميدانية، ستظل مرتبطة بقدرة الداخل على الصمود بقدر ارتباطها بقدرة السلاح على الحسم.










