في تطور دراماتيكي يعيد رسم خريطة العلاقات في الشرق الأوسط، أعلن أحمد الشرع، القائد العام للإدارة السورية الجديدة، عن رغبته في فتح صفحة جديدة مع إسرائيل والسعي نحو السلام. هذا التحول الجذري في السياسة السورية يأتي وسط مخاوف متزايدة في مصر من احتمال انتقال “عدوى الثورة” إليها، مما يضع المنطقة على حافة تغييرات جيوسياسية غير مسبوقة
الشرع يمد يد السلام: نهاية حقبة العداء؟
في تصريحات مثيرة للجدل، قال أحمد الشرع: “لسنا حمل معركة مع إسرائيل”، مشيراً إلى أن الإدارة الجديدة في سوريا تسعى لبناء علاقات جديدة مع جيرانها. هذا التصريح يمثل انعطافة حادة في السياسة السورية التي طالما اتسمت بالعداء تجاه إسرائيل.
وأضاف الشرع: “إسرائيل كانت تنوي دخول سوريا بذريعة التواجد الإيراني، وحجتها انتهت الآن هذا التصريح يشير إلى رغبة سوريا في إزالة أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للتدخل في شؤونها الداخلية، وفي الوقت نفسه، يفتح الباب أمام إمكانية التعاون المستقبلي بين البلدين.
خطوات عملية نحو السلام
لم تقتصر تصريحات الشرع على الجانب النظري فقط
، بل تبعتها خطوات عملية تؤكد جدية التوجه الجديد. فقد أعلن الشرع عن نية سوريا إبرام اتفاقيات دفاعية مع بعض الدول، وهو ما قد يشمل إسرائيل في المستقبل. هذه الخطوة تعتبر تحولاً جذرياً في السياسة الدفاعية السورية التي طالما اعتبرت إسرائيل عدواً استراتيجياً.
كما أشار الشرع إلى أن “المشروع الإيراني الذي دخل المنطقة كان مؤذياً”، موضحاً أنه “لا مشكلة مع الإيرانيين ولكن إدارة العمليات العسكرية دخلت مدناً سورية وليس طهران”. هذا التصريح يعكس رغبة سوريا في إعادة تموضعها الإقليمي بعيداً عن المحور الإيراني، مما قد يسهل عملية التقارب مع إسرائيل.
ردود الفعل الإسرائيلية والدولية
لم تصدر بعد ردود فعل رسمية من الجانب الإسرائيلي على تصريحات الشرع، لكن مصادر دبلوماسية تحدثت عن “ترحيب حذر” في تل أبيب بهذا التحول. وفي واشنطن، أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن تواصل أمريكي “مباشر” مع هيئة تحرير الشام، مما يشير إلى دعم أمريكي محتمل لهذا التوجه الجديد
على الصعيد الدولي، تباينت ردود الفعل بين مؤيد ومتحفظ. فبينما رحبت بعض الدول الغربية بهذا التحول باعتباره فرصة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، أبدت دول أخرى، خاصة إيران وحلفاؤها، تحفظات على هذا التقارب المحتمل بين سوريا وإسرائيل
مخاوف مصرية من “تصدير الثورة”
في ظل هذه التطورات المتسارعة، برزت مخاوف جدية في مصر من احتمال انتقال “عدوى الثورة” إليها. فقد عبر العديد من الناشطين المصريين، خاصة من شاركوا في “ثورة يناير” عام 2011، عن قلقهم من أن ما حدث في سوريا قد يكون له تداعيات على الوضع الداخلي في مصر
وفي تعليق لأحد الناشطين المصريين: “أنا من ساعة ثورة يناير وأصبح عندنا تروما (صدمة). لا أفرح كثيراً دون أن أفهم ما يجري. ما هي إيدولوجية المعارضة السورية؟ ومن الجماعات أو البلاد الداعمة لها؟” هذا التعليق يعكس حالة القلق والترقب التي تسود بعض الأوساط المصرية
موقف النظام المصري
رغم عدم صدور تصريحات رسمية مباشرة من الرئيس المصري حول هذه التطورات، إلا أن تصريحات بعض المسؤولين المصريين تعكس موقفاً حذراً. فقد أكد رئيس مجلس النواب المصري المستشار حنفي جبالي أن “أمن واستقرار سوريا أمر حيوي لمصر، ويرتبط بشكل وثيق بأمن مصر القومي وبالأمن القومي العربي”
وأضاف جبالي: “موقف مصر من الأزمة الممتدة التى عاشتها سوريا منذ 13 عاما، كان ولا يزال تحكمه اعتبارات الحفاظ على الأمن القومي العربي، ويستند إلى ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا أرضا وشعبا”. هذه التصريحات تعكس رغبة مصر في الحفاظ على استقرار المنطقة، مع التأكيد على أهمية وحدة سوريا.
تداعيات محتملة على المنطقة
إن التحول في السياسة السورية تجاه إسرائيل، إلى جانب المخاوف المصرية من انتقال “عدوى الثورة”، يضع المنطقة أمام سيناريوهات متعددة
إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية
قد نشهد تحولاً في خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، مع احتمال تقارب سوري-إسرائيلي وابتعاد سوريا عن المحور الإيراني
تأثيرات على القضية الفلسطينية
قد يؤدي هذا التحول إلى تغيير في ديناميكيات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، خاصة مع فقدان الفلسطينيين لحليف تقليدي
تحديات أمنية جديدة
قد تواجه دول المنطقة، وخاصة مصر، تحديات أمنية جديدة نتيجة لهذه التحولات، مما قد يدفعها لإعادة تقييم سياساتها الأمنية والدفاعية
فرص اقتصادية
قد يفتح السلام المحتمل بين سوريا وإسرائيل آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي في المنطقة، مما قد ينعكس إيجاباً على اقتصادات دول الجوار.
ضغوط داخلية
قد تواجه الأنظمة في المنطقة، وخاصة في مصر، ضغوطاً داخلية متزايدة للإصلاح السياسي والاقتصادي، متأثرة بما حدث في سوريا
مستقبل غير مؤكد
إن التطورات الأخيرة في سوريا، وخاصة توجه أحمد الشرع نحو السلام مع إسرائيل، تمثل نقطة تحول محتملة في تاريخ الشرق الأوسط. ومع ذلك، تبقى الكثير من التساؤلات مطروحة حول مدى نجاح هذا التوجه وتداعياته على المدى الطويل.
في الوقت نفسه، تبقى المخاوف المصرية من انتقال “عدوى الثورة” عاملاً مهماً في تشكيل السياسات الإقليمية في الفترة المقبلة. وسيكون من المهم مراقبة كيفية تعامل القاهرة مع هذه التحديات الجديدة، وما إذا كانت ستتبنى سياسات أكثر انفتاحاً أم ستلجأ إلى مزيد من التشدد
في النهاية، يبدو أن المنطقة مقبلة على فترة من عدم اليقين والتغيير المحتمل.