تم يوم أمس السبت 8 فبراير الإعلان عن ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة التي يترأسها القاضي نواف سلام، وذلك بعد أسابيع من المفاوضات العسيرة، وفي ظرف استثنائي حمل تغييرات عميقة على مستوى موازين القوى السياسية.
أقنع حزب الله الشيعة في جنوب لبنان بأنه درع حمايتهم ومصدر رزقهم، وأنه مهما حدث فسوف يعتني بهم. ولكن الشيعة بدأوا يدركون أن الحزب لم يحمهم، بل على العكس من ذلك، فقد جرهم إلى حرب غير ضرورية، ولن يكون قادراً على توفير احتياجاتهم.
إن حزب الله لم يعد الكيان الأبوي الذي كان عليه ذات يوم، والزعيم الوحيد الذي كانوا يثقون به، حسن نصر الله، قد رحل. وسوف يضطر الشيعة في نهاية المطاف إلى البحث عن بديل، ولا ينبغي لهذا البديل أن يكون سوى دولة لبنان.
تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة بدون تمثيل مباشر لحزب الله يمثل نقطة تحول محتملة في تاريخ لبنان والمنطقة.إذا نجحت الحكومة في استغلال هذه الفرصة، فقد تؤدي إلى تقليص نفوذ حزب الله وتعزيز السيادة اللبنانية. ومع ذلك، فإن التحديات كبيرة، ويجب مراقبة ردود فعل حزب الله وحلفائه عن كثب.
بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، نجحت إسرائيل في تحويل حزب الله من جيش إقليمي قوي تابع لإيران إلى ميليشيا محلية مهزومة. فبسبب الهجمات الإسرائيلية المستهدفة، فقد حزب الله اليوم معظم ركائز قوته العسكرية والسياسية. ويتمثل التحدي الآن في ترجمة هذه التحولات إلى تغيير سياسي في لبنان.
ووصفت صحيفة “معاريف” تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان بالزلزال. وبحسب البروفيسور أمازيا برعام، الخبير في الإستراتيجية والشرق الأوسط من جامعة حيفا، في مقابلته مع “معاريف” فإن للقيادة الجديدة تأثيرات كبيرة.
وقد أعلنت الرئاسة اللبنانية، أمس السبت، عن تشكيل حكومة جديدة تضم 24 وزيراً، برئاسة رئيس الوزراء المكلف نواف سلام. التفصيل الأكثر إثارة للاهتمام، كما يوضح البروفيسور برعام، هو الغياب المفاجئ لـ”حزب الله” عن الحكومة الجديدة. “هناك شيء مدهش في هذه الحكومة – لأول مرة منذ عام 2008، لا يوجد ممثلون لحزب الله”.
وتابع: “لدى الحكومة الجديدة خمسة ممثلين لحركة أمل، برئاسة رئيس مجلس النواب بري، وهو حزب شقيق لـ”حزب الله”، وهو أيضا شيعي. من المهم أن نتذكر أنه في الماضي قاتلوا ضدهم أكثر من مرة. لذلك فهم حلفاء، ولكنهم أيضا منافسون”.
ووفقا للبروفيسور”: إذا كانت الحكومة اللبنانية الجديدة تتكون من 24 وزيراً، وخمسة منهم شيعة – حتى لو كانوا موالين لحزب الله – فإنها لا تزال ثورة حقيقية”. فبحسب للاتفاقيات الموقعة في عام 2008، يمكن للحزب الذي يحمل ثلث الوزراء في الحكومة أن ينقض أي قرار.
يوضح الخبير أنه “في الماضي، كان حزب الله وأمل يسيطران على أكثر من ثلث الحكومة، وبالتالي كانا قادرين على منع أي محاولة للحد من سلطتهما. “لقد أرادت الحكومة التحرك ضد حزب الله، وخاصة في قضية حمله للسلاح، ولكنها لم تستطع أن تفعل ذلك لأن حزب الله سوف يعترض على ذلك”.
ولكن الآن، كما قال، أصبحت الصورة مختلفة تماماً. “اليوم اختفى عامل النقض هذا ببساطة، لأنهم لا يملكون ثلثاً. وحتى لو صوت جميع ممثلي أمل الخمسة كما يريد حزب الله، فإنهم لن يصلوا إلى الثلث”.ويؤكد برعام أن هذا التغيير يمثل فرصة نادرة للولايات المتحدة والغرب: “ما يجب على أميركا والغرب أن يدفعا نحوه هو قرار نزع سلاح حزب الله.
قد يكون هذا نهاية عملية بدأتها إسرائيل بعد الضربة القاسية التي وجهناها لهم”.ويضيف أن التغيير قد يكون له تأثير في مجموعة متنوعة من المجالات: “لن يكون التأثير على قضية الأسلحة فقط – هناك إمكانية تفكيك جميع المؤسسات التي بناها حزب الله كـ “دولة داخل الدولة”، بما في ذلك البنوك، والسيطرة على مطار بيروت، والسيطرة على ميناء بيروت، وشبكة اتصالاتهم التي تعمل دون إشراف. وهذه أمور لا تستطيع الحكومة أن تبدأ في القيام بها إلا الآن، وللمرة الأولى منذ عام 2008”.
زتعوّد لبنان على هكذا ولادات عسيرة لحكوماته، لكن حكومة سلام قد تكون فاتحة لبناء دولة لبنان بالمعنى الكامل، بعيداً عن ضغط المعطى المجتمعي الطائفي داخلياً، وبعيداً أيضاً عن ضرب السيادة الوطنية من طرف القوى الإقليمية.
ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة تختلف عن ولادة مثيلاتها تقريباً منذ تسعينات القرن الماضي. إذ لأول مرة يتراجع نفوذ قوة كبيرة، مجتمعياً وسياساً وجيوستراتيجياً بحجم حزب الله، مع ما يعنيه ذلك ربما من تراجع قوة الطرف الشيعي.
فالضربات العسكرية التي تلقاها حزب الله في مواجهته مع إسرائيل غيرت المعادلة السياسية الداخلية بتراجع القوة العسكرية لهذا التنظيم، الذي كان بمثابة الدولة داخل الدولة.
ربما نضيف إلى ذلك فقدان الساحة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد وخروج قوات حزب الله من هناك في صورة المهزوم.
تراجع نفوذ حزب الله داخلياً يبرز من خلال غيابه، الرسمي على الأقل، عن التشكيل الحكومي الجديد، بالرغم من أنه شارك في المفاوضات مع نواف سلام.ويبدو أن ذلك كان بتأثير مباشر من واشنطن وربما حتى من السعودية، لاعتبار مشاركة حزب الله خطاً أحمر لتلقي المساعدات. قد يمثل ذلك فرصة للمرور فعلاً نحو مسار سياسي أقل خضوعاً للضغط الطائفي.
غير أن المشكل السياسي اللبناني في عمقه لا يتمثل فقط في حزب الله، بل في الظاهرة الطائفية التي تنتصب فوق الدولة كي تدير الحياة السياسية لصالح الأطراف الطائفية على حساب الدولة.
لذلك، يعتبر التحدي الحقيقي القادم هو اقتناص فرصة السياق الجديد لمراجعة العملية السياسية اللبنانية برمتها باتجاه ضرب الطائفية كمعطى مجتمعي وسياسي، مع ما يتطلبه ذلك من تغيير للدستور وللقانون الانتخابي.
في نفس الوقت يبقى هذا التوجه رهين تعامل القوى الأخرى مع التغيير وليس فقط اقتناصه كفرصة لسد فراغ طائفي.
يمثل السياق الجديد من جهة ثانية فرصة لانبعاث لبنان السيادة الوطنية. فسقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني يمثلان فرصة مهمة لتحقيق سيادة وطنية لبنانية حقيقية لم توجد منذ انبعث البلد.
وهذا يبقى رهين الفاعلين السياسيين في لبنان في حال تم تجاوز طائفيتهم وخاصة إذا تم تفادي تعويض قوى حامية متراجعة بقوى حامية جديدة. فعلى المسار اللبناني الجديد أن يكون مشروعا لخلق اللبناني المواطن والدولة اللبنانية كإطار مواطني.
وفي الأخير، كان هناك ما قبل حادثة “أجهزة البيجر” وما بعدها. فقبل انفجار آلاف من أجهزة الاتصال الالكتروني من نوع “بيجر” التي يستخدمها أعضاؤه في نفس الوقت، كان حزب الله لا يزال مقتنعاً بأنه يتمتع بقدر من النفوذ على الحكومتين الإسرائيلية والأميركية، وأن هجماته المدروسة ضد شمال إسرائيل كانت ناجحة ورادعة. وبعد الانفجارات ـ التي أعقبت اغتيال زعيمه حسن نصر الله والعديد من القادة الآخرين ـ أدرك الحزب أنه أصبح أكثر انكشافاً مما تصور.













