مستقبل الأكراد في تركيا بعد دعوة أوجلان بحل حزب العمال الكردستاني: تحوّلات مصيرية
في خطوة غير مسبوقة وتزامنًا مع التحولات الجيوسياسية الكبرى، دعا عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) المسجون، مؤيديه إلى إلقاء السلاح وحل الحزب في مبادرة قد تعيد تشكيل العلاقات بين الأكراد والدولة التركية. ويأتي هذا الإعلان في وقت حساس، يسبق الانتخابات البرلمانية التركية المزمعة لعام 2026، مما يثير العديد من الأسئلة حول مستقبل الأكراد في تركيا بعد أربعة عقود من الصراع الدموي.
1. التوقيت والتأثيرات الإقليمية
تأتي دعوة أوجلان في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تغيرات جذرية على جميع الأصعدة. فقد أظهرت تسريبات وثائقية عام 2023 أن حزب العمال الكردستاني فقد 60% من قوته القتالية نتيجة للعمليات العسكرية التركية المدعومة من حلف الناتو. ويأتي هذا الإعلان متزامنًا مع استطلاعات رأي كشفت عن تأييد 72% من الأكراد في تركيا لحلول سلمية بدلاً من العنف المسلح، ما يعكس تحولًا في المزاج العام للأقلية الكردية التي تُقدر نسبتها بـ18% من سكان تركيا.
2. النشأة الأيديولوجية لحزب العمال الكردستاني
تأسس حزب العمال الكردستاني في عام 1978 على أسس ماركسية-لينينية، وكان ردًا على السياسات القمعية التي طبقتها الحكومة التركية تجاه الهوية الكردية. مع بداية التمرد المسلح عام 1984، سعى الحزب لإنشاء دولة كردية مستقلة، مما أدى إلى مواجهات دامية مع السلطات التركية أسفرت عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص على مدار أربعة عقود. خلال التسعينيات، استخدمت تركيا سياسة “الأرض المحروقة” ضد القرى الكردية، مما أدى إلى نزوح جماعي للأكراد.
3. محطات فاشلة في مسار السلام
في العقد الأول من الألفية، سعى الحزب إلى عقد صفقات سلمية مع الحكومة التركية، منها إعلان وقف إطلاق النار عام 2009 بعد مفاوضات سرية مع المخابرات التركية. إلا أن هذه المبادرات انهارت في 2015 بعد تجدد المواجهات في المناطق الكردية. يعزو المحللون فشل تلك المحاولات إلى عدة عوامل منها: رفض الحكومة التركية الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، تصاعد النفوذ العسكري داخل الحزب، والتدخلات الإقليمية من دول مثل إيران وسوريا.
4. تفاصيل مبادرة أوجلان
في رسالته الأخيرة، التي ألقاها بحضور ممثلين عن حزب المساواة والديمقراطية (ديم)، دعا أوجلان إلى أربعة مطالب أساسية:
- وقف فوري لإطلاق النار من جانب حزب العمال الكردستاني.
- سحب المقاتلين من المناطق الحضرية.
- مفاوضات مباشرة مع الحكومة التركية.
- تحويل الحزب إلى حزب سياسي شرعي.
أظهرت استطلاعات الرأي في المناطق الكردية أن 58% من السكان يؤيدون هذه المبادرة، بينما يرفضها 32%. في حين يعتقد الخبراء أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذا التحول:
- نجاح عملية نزع السلاح واندماج المقاتلين في الحياة المدنية.
- انقسام الحزب إلى جناحين: مؤييد لنزع السلاح وآخر مواصلة القتال ضد الدولة التركية.
- عودة العنف مع ظهور جيل جديد من القيادات الراديكالية.
5. التحديات المستقبلية: عقبات في طريق السلام
العملية السلمية لا تقتصر على نزع السلاح فقط، بل تطرح عدة تحديات أساسية تواجه الأكراد في تركيا. أولاً، تُطالب الأحزاب الكردية بأن تكون هناك إصلاحات دستورية تعترف بالهوية الكردية، بالإضافة إلى إقرار التعليم ثنائي اللغة ومنح صلاحيات إدارية موسعة للمناطق الكردية. كما تتطلب إعادة إعمار المناطق الكردية المتضررة من الصراع استثمارات ضخمة تُقدر بحوالي 15 مليار دولار، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا للحكومة التركية.
6. آفاق مستقبلية
إذا ما تم التوصل إلى تسوية سلمية بين الأكراد وأنقرة، قد يكون لذلك تأثير عميق على المشهد السياسي التركي. في حال تم تطبيق مبادرة أوجلان بنجاح، فإن تركيا قد تخرج من قيود الصراع الطويل الأمد، مما يعزز من استقرارها الداخلي ويؤثر إيجابيًا على العلاقات الإقليمية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح تركيا في تقديم ضمانات حقيقية لحقوق الأكراد، أم ستواجه استمرارًا في التوترات السياسية والعسكرية؟