كشفت وسائل الإعلام عن ممارسات متكررة للجنود الإسرائيليين في السخرية من النازحين الفلسطينيين. ففي تقرير نقلته وكالة الأناضول، وثّقت حالات لضباط إسرائيليين يشمتون بفلسطينيين نازحين في غزة قائلين: “جيشنا وصل، اذهبوا إلى مصر ولا تعودوا”. هذه الممارسات تأتي في سياق أوسع من الانتهاكات الموثقة ضد الفلسطينيين.
وفي حادثة مروعة موثقة بالفيديو، قام جنود إسرائيليون برمي جثامين فلسطينيين من فوق مبنى في مدينة قباطية التابعة لمحافظة جنين بالضفة الغربية المحتلة، بعد أن قتل 7 فلسطينيين خلال مداهمة عسكرية. وأكد محافظ جنين كمال أبو الرب: “جيش الاحتلال احتجز جثامين 4 من الشهداء بعد التنكيل بعدد منهم بطريقة وحشية سجلتها عدسات الكاميرات”.
سياسة التهجير الممنهجة
لا تقتصر الممارسات الإسرائيلية على الشماتة والإهانة، بل تتعداها إلى تبني سياسة ممنهجة لتهجير الفلسطينيين. ففي 13 أكتوبر 2023، أمر الجيش الإسرائيلي بتهجير قسري لجميع سكان شمال قطاع غزة، مما أدى إلى إجلاء مئات الآلاف من الفلسطينيين، في عملية وُصفت بأنها “نكبة ثانية”.
وفي هذا السياق، صرح وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريش داعيًا إلى تشجيع “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من قطاع غزة، وقال: “إذا كان هناك 100 ألف أو 200 ألف عربي في غزة وليس مليونين، فإن الخطاب برمته في اليوم التالي للحرب سيكون مختلفًا تمامًا”. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يدفع باتجاه خطط لتطبيق سياسة “الهجرة الطوعية”، مضيفًا: “مشكلتنا هي الدول التي ترغب في استيعابهم، ونحن نعمل على حلها”.
الإسقاط التاريخي: الاستخدام المقلوب للرمزية الدينية
يمكن فهم محاولة ربط الجنود الإسرائيليين بين تهجير الفلسطينيين من غزة وبين خروج بني إسرائيل من مصر كاستخدام مقلوب للرمزية الدينية. فبينما تمثل قصة الخروج في التراث اليهودي تحررًا من الاضطهاد والعبودية، يتم توظيفها اليوم بصورة معكوسة لتبرير اضطهاد شعب آخر.
تروي النصوص الدينية كيف خرج بنو إسرائيل من مصر بقيادة موسى عليه السلام بعد أن كانوا مستضعفين ومضطهدين، وتقدر أعدادهم بنحو 600 ألف مقاتل سوى النساء والأطفال. اليوم، يرى بعض الإسرائيليين في الوضع معكوسًا، حيث يطلبون من الفلسطينيين التوجه إلى مصر في تشابه سردي مقلوب للقصة التاريخية.
المفارقة التاريخية والخطاب الإعلامي
تكمن المفارقة في أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي يستخدم مفردات مثل “الهجرة الطوعية” بينما يمارس سياسات التهجير القسري. وقد حذر الإعلامي أحمد موسى مما وصفه بـ”فخ” نتنياهو، مؤكدًا أنه “لا يوجد شيء اسمه تهجير قسري وتهجير طوعي، التهجير هو تهجير”.
في حين صرح الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى أن “التهجير إن حصل فهو من علامات الساعة”، مشددًا على أن “الأردن ومصر والسعودية يجب أن يشكلوا مجموعة لتنسيق المواقف بخصوص القضية الفلسطينية”.
مصر في معادلة التهجير: بين الخروج والعودة
الدور المصري في أزمة غزة
برزت مصر كطرف محوري في الأزمة الإنسانية، حيث تمثل معبر رفح شريان الحياة الوحيد للمساعدات الإنسانية إلى غزة. وقد وصفت التقارير الصحفية الدولية مصر بأنها “شريان الحياة للشعب الفلسطيني في غزة”.
وثّقت وسائل الإعلام الدولية دور مصر في استقبال وإيصال المساعدات، حيث ذكرت صحيفة “Libération” الفرنسية أن “السلطات المصرية قالت إن الاتفاق ينص على دخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا”، ووصف موقع “Tendenze Di Viaggio” الإيطالي مدينة العريش بأنها “مركز لاستقبال ونقل مساعدات الإغاثة الدولية إلى غزة”.
رفض مصر لمخططات التهجير
عبرت مصر مرارًا عن رفضها لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، واعتبرت أن حل القضية الفلسطينية يكمن في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وليس في تهجير سكانها. وقد أكد عمرو موسى أن “الموقف الأردني والمصري واضحان برفض التهجير والذي يعني حدوثه إنهاء القضية الفلسطينية”.
أبعاد تاريخية لفكرة التهجير والنكبات المتكررة
النكبة الأولى والتشابه مع الوضع الحالي
يشبه البعض ما يحدث اليوم بتهجير الفلسطينيين عام 1948، حين نزح أو طُرد أكثر من 700,000 فلسطيني (نحو نصف سكان فلسطين العرب) من بيوتهم خلال حرب فلسطين. وقد شكل ذلك التهجير “عاملًا مركزيًا في تشتيت المجتمع الفلسطيني، والاستيلاء على ممتلكاته، وإبعاده عن أرضه”.
وتشير التقارير إلى أن أسباب التهجير آنذاك تضمنت “عمليات الجيش الإسرائيلي، وتدمير القرى العربية، والحرب النفسية، ومخاوف الفلسطينيين من وقوعهم كضحايا لمجزرة أخرى على أيدي الميليشيات الإسرائيلية”، وهي أسباب تتشابه مع ما يحدث اليوم.
تسييس القصص الدينية في الصراع المعاصر
يلفت الباحثون الانتباه إلى كيفية استخدام الروايات الدينية في تبرير السياسات المعاصرة. ففي الرواية التوراتية، خرج بنو إسرائيل من مصر متجهين إلى “أرض الميعاد” التي “وعد بها نسل إبراهيم”. وهذه الرواية يتم استخدامها اليوم لتبرير السياسات الاستيطانية وتهجير الفلسطينيين.
خلاصة وتحليل لظاهرة الشماتة والإسقاط التاريخي
يكشف هذا التقرير عن ظاهرة مركبة تجمع بين الشماتة بمعاناة الآخر وتوظيف القصص الدينية في سياق سياسي. إن استخدام بعض الجنود الإسرائيليين للمقارنة بين تهجير الفلسطينيين وخروج بني إسرائيل مع موسى يمثل استخدامًا مسيّسًا للتاريخ المقدس، يحوّل قصة الخلاص والحرية إلى أداة لشرعنة التهجير والاقتلاع.
ويظهر التحليل أن هذا الاستخدام المقلوب للرمزية الدينية يأتي في سياق أوسع من التغييرات الديموغرافية الممنهجة التي تهدف لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين. وكما حذر عمرو موسى، فإن تهجير الفلسطينيين قد يعني “إنهاء القضية الفلسطينية”، وهو ما ترفضه مصر والأردن وغالبية المجتمع الدولي.
إن استمرار هذه الممارسات والخطاب الذي يبررها لا يزيد الصراع إلا تعقيدًا، ويزيد من معاناة المدنيين الفلسطينيين الذين يدفعون ثمنًا باهظًا لصراع طال أمده، وربما يحول دون الوصول إلى حل عادل ودائم يضمن حقوق الفلسطينيين في أرضهم من النهر الي البحر.