وسط أنقاض منزل تحوّل إلى رماد في غزة، وبين حجارة كانت قبل أيام تعج بالحياة، وُجدت ورقة صغيرة، تحمل كلمات طفل لم يتجاوز أعوام البراءة. لم تكن بيانًا عسكريًا، ولا خطابًا سياسيًا، بل وصية أخيرة خطّها عمر محمد الجماصي، طفلٌ من غزة لم يحمل سلاحًا، بل حمل قلبًا نابضًا بالإيمان، وديْنًا بسيطًا قيمته “شيكل واحد”.
عمر الجماصي.. شهيد بحجم الإنسانية
كتب عمر بخطٍ صغير لكنه ثقيل المعنى:
“أنا عمر الجماصي، عليّ دَين واحد شيكل من ولد اسمه عبد الكريم النيرب.. عبد الكريم ساكن بشارع أبو نافذ.. وأنا يا أحبابي أحبكم وأتمنى أن لا تتركوا الصلاة.. وأن تحافظوا على قراءة القرآن والاستغفار.”
هذه الكلمات القليلة تحمل من المعاني ما لا تحمله خطب الساسة وتقارير الإعلام. طفلٌ لم يشغل باله بالحياة التي لم يعشها، ولا باللعب الذي حُرم منه، بل بدَينٍ صغير أراد أن يؤديه قبل أن يرحل.
كأنه كان يعلم أن الرحيل قريب، فاستودع الدنيا بقلبٍ طاهر، وترك وصيته شاهدة على نقاء جيل يُباد تحت أنقاض الصمت الدولي. استُشهد عمر مع عائلته، ولم يبقَ منه سوى ورقة، لكنها كانت أقوى من كل صرخات العالم.
البراءة المذبوحة.. متى يصحو الضمير؟
حكاية عمر ليست قصة فردية، بل هي جزءٌ من مأساة أمة، حيث يُقتل الأطفال في غزة دون أن تهتز عروش العالم المتحضر. تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن 60% من ضحايا الحروب في العقد الأخير هم أطفال، ومع ذلك، تظل القرارات الدولية حبرًا على ورق، تمامًا كما كانت وصية عمر، لكنها ورقة لا أحد يريد قراءتها.
مجزرة غزة اليوم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنّ ما يجعلها أكثر ألمًا هو أنها تقتل الأمل في عيون الصغار، وتطفئ أحلامهم قبل أن تولد. تُرى، ماذا فعل عمر وأقرانه ليستحقوا هذا المصير؟ أي ذنب ارتكبوه ليصبحوا أرقامًا في تقارير الإبادة؟
رسالة عمر.. اختبار للإنسانية
وصية عمر ليست مجرد كلماتٍ على ورقة، إنها صفعة في وجه عالمٍ يرى ولا يتحرك، يسمع ولا يبالي. إنه اختبار أخلاقي لكل من يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، لكنه يصمت حين يكون الضحايا من غزة، حين يكون الشهداء مجرد “أرقام” في نشرات الأخبار.
لكن رغم الظلم والمجازر، يظل صوت عمر وأقرانه أقوى من كل آلة القتل، يظل الإيمان الذي زرعه هذا الطفل في وصيته شاهدًا على أن هذه الأمة لا تموت، وأن الأمل في يومٍ ما سيولد من تحت الركام، كما يولد الصبح رغم ليل القصف.
رحل عمر، لكنه ترك رسالةً لن تموت.. فهل نعيها قبل فوات الأوان؟