في وقتٍ تتصاعد فيه مؤشرات هجرة الكفاءات، تشهد مصر موجة غير مسبوقة من تصدير العمالة المصرية إلى الخارج، وسط تساؤلات متزايدة عن مدى إدراك الحكومة للعواقب طويلة الأمد. آلاف الإعلانات تنتشر يوميًا على المنصات الرسمية والخاصة، تُروّج لـ”فرص ذهبية” في الخليج وأوروبا، تستهدف بالدرجة الأولى العمالة المهرة في مصر، ما يثير المخاوف من تصفية ممنهجة للكفاءات المحلية.
ورغم أن الدولة تُبرر هذا التوسع برغبتها في تقليص البطالة وزيادة تحويلات المصريين بالخارج، إلا أن خبراء يرون أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والكويت وقطر، تُمارس ما يشبه “الاستنزاف الصامت” للكفاءات المصرية، مستفيدة من غياب رؤية مصرية واضحة لحماية سوقها المحلي. فخلف عقود العمل المغرية، يُستدرج آلاف المهندسين والفنيين والمعلمين، دون خطة لتعويضهم داخل البلاد.
وتشير بيانات وزارة العمل المصرية إلى أن خطة 2024 تستهدف تصدير أكثر من 400 ألف عقد عمل، أغلبها موجه إلى دول الخليج، في حين تعاني مشاريع البنية التحتية داخل مصر من نقص حاد في الكفاءات المهنية، ما يدفع بعض القطاعات إلى استيراد عمالة أجنبية بتكاليف أعلى أو الاعتماد على عمالة غير مدرّبة.
وفي محاولة لتأهيل العمالة للتصدير، أطلقت وزارة العمل مبادرة “مهني 2030” لتدريب مليون شاب على المهارات المطلوبة في سوق العمل الخارجي، كما أنشأت وحدة “ما قبل المغادرة” لتثقيف الراغبين في السفر حول حقوقهم القانونية. إلا أن هذه الإجراءات، وفق مختصين، تخدم بالأساس مصالح الأسواق المستقبلة للعمالة وليس السوق المصري الذي يُنزف تدريجيًا.
وفي سياق توسيع هذا المسار، وقعت مصر اتفاقيات مع السعودية لتنفيذ الفحص المهني، كما فتحت قنوات جديدة مع أيرلندا والمجر لاستقدام العمالة المصرية المدربة، في وقتٍ تشكو فيه مستشفيات ومدارس مصرية من نقص الكوادر المؤهلة، وتضطر لتقليص خدماتها أو خفض الجودة.
وبينما تُقدَّر تحويلات المصريين من الخارج بأكثر من 30 مليار دولار سنويًا، يرى محللون أن هذا المكسب المالي لا يعوّض الخسارة البشرية والمعرفية، محذرين من أن استمرار هذا النهج دون استراتيجية توازن بين التصدير والتنمية المحلية، سيحوّل مصر إلى مجرد “مركز تدريب مجاني” لدول الخليج وأوروبا.
وفي ضوء هذا المشهد، تبدو مصر وكأنها تُفرغ طاقتها البشرية لصالح مشاريع تنموية في الخارج، بينما يتآكل سوقها المحلي تدريجيًا من الداخل. فالرهان على تصدير العمالة المهرة كحل اقتصادي عاجل قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يخفي في طياته أزمة هيكلية أعمق تتعلق بإدارة الموارد البشرية الوطنية.
ما تحتاجه مصر اليوم ليس فقط تنظيم الهجرة الشرعية أو تحسين شروط التعاقد الخارجي، بل بناء سياسة وطنية تضمن تدوير الكفاءات داخليًا، وتضع حدًا لاستنزاف العقول والمهارات الذي بات يهدد مستقبل التنمية المحلية والاقتصاد الوطني.










