الإيجار القديم على طاولة الجدل مجددًا: هل تصحح الحكومة مظالم الماضي أم تفتعل أزمة جديدة؟”
في خطوة وصفها مراقبون بأنها “غامضة ومثيرة للجدل”، كشفت مصادر مطلعة عن تعديلات مرتقبة على مشروع قانون الإيجار القديم في مصر، ما أعاد إشعال الجدل القديم-الجديد بين الملاك والمستأجرين، وأثار تساؤلات حادة حول توقيت وغاية الحكومة من هذا التحرك.
وبحسب ما نشرته صحيفة الدستور المصرية في خبر عاجل نقلاً عن مصادر برلمانية رفيعة، فإن الحكومة تدرس إدخال تعديلات جوهرية على القانون القائم، وسط حالة من التكتم والغموض حول بنود المشروع الجديد، في وقت تشهد فيه البلاد أزمات اقتصادية متراكبة، من ارتفاع معدلات التضخم إلى تدهور القوة الشرائية للمواطنين.
ما الذي تريده الحكومة من المواطن المصري الآن؟
ليس سرًا أن السياسات الحكومية المتلاحقة منذ عام 2016 وحتى اليوم، أرهقت الطبقة المتوسطة والفقيرة في مصر. فمن تعويم الجنيه، إلى إلغاء الدعم تدريجيًا، إلى الضرائب التصاعدية غير المُعلنة، يعيش المواطن المصري في دوامة متواصلة من الضغوط المعيشية، دون أفق واضح للإنفراج.
وفي هذا السياق، تأتي محاولة تعديل قانون الإيجار القديم كـ”حلقة جديدة في مسلسل الجباية المقنّعة”، حيث يرى محللون أن الحكومة لا تبحث عن حلول عادلة بقدر ما تبحث عن مكاسب قصيرة المدى، ولو على حساب الفئات الأضعف في المجتمع.
القانون المثير للجدل: ماذا نعرف عن الإيجار القديم؟
قانون الإيجار القديم هو واحد من أكثر التشريعات إثارةً للجدل في مصر، حيث تعود جذوره إلى عقود مضت، حين تدخلت الدولة لضبط العلاقة بين المالك والمستأجر في ظل أزمات السكن المتكررة. وبموجب هذا القانون، يدفع المستأجرون مبالغ زهيدة منذ عشرات السنين، دون أن يحق للمالك إنهاء العقد أو تعديله.
ورغم تباين الآراء حول مدى عدالة القانون، إلا أن أي تحرك لتعديله يعني تغييرًا جذريًا في استقرار أكثر من 3 ملايين أسرة، معظمهم من كبار السن أو ذوي الدخل المحدود، الذين باتوا يعيشون في قلق دائم من أن يجدوا أنفسهم في الشارع، تحت شعار “استرداد حقوق المالك”.
التعديلات الجديدة: ماذا تخطط الحكومة؟
لم تفصح الحكومة حتى الآن عن تفاصيل التعديلات المرتقبة، لكن مصادر برلمانية تحدثت لـ”الدستور” عن نيّة لتقليص فترة الحماية القانونية للمستأجر، وفرض زيادات تدريجية على الإيجارات الحالية، تمهيدًا للوصول إلى السعر السوقي خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.
كما تم التلميح إلى وضع معايير اقتصادية لتحديد من يستحق الاستمرار في الإقامة بعقود إيجار قديمة، ومن لا يستحق، وهو ما اعتبره البعض بوابة جديدة للفصل الطبقي بين المواطنين.
ردود فعل غاضبة: “الحكومة تحمّلنا فشلها”
قوبلت الأنباء عن هذه التعديلات بردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن الدولة تتخلى عن دورها الاجتماعي وتستسلم لضغوط المستثمرين واللوبي العقاري الذي يضغط منذ سنوات لإلغاء القانون.
يقول المهندس سامح عبد العظيم، وهو مالك لعقار في وسط القاهرة:
“نحن نريد حلًا عادلًا، لا نريد طرد المستأجرين ولا نريد أن نبقى في ظلم دائم. لكن لا يصح أن تتجاهل الحكومة أن بعض هذه الإيجارات لا تغطي حتى تكلفة صيانة العقار، فهل هذا معقول؟”
وفي المقابل، تقول السيدة منى إسماعيل، وهي أرملة تعيش في شقة بالإيجار القديم منذ عام 1978:
“أنا لا أملك أي دخل سوى معاش زوجي. إذا زاد الإيجار، سأضطر إلى النوم في الشارع. هل هذا هو عدل الدولة؟ هل هذه هي الحماية الاجتماعية التي وعدونا بها؟”
خلفية تشريعية: معارك قديمة لم تُحسم بعد
يُذكر أن قانون الإيجار القديم خضع لعدة محاولات تعديل في السنوات الأخيرة، أبرزها عام 2019 حين أقر البرلمان تعديلات تخص الأماكن غير السكنية فقط (المحلات، المكاتب)، فيما تم تأجيل تعديل القانون السكني أكثر من مرة، خوفًا من ردود فعل شعبية غاضبة.
وكانت لجنة الإسكان في البرلمان قد طالبت مرارًا بإجراء حوار مجتمعي شامل قبل أي تعديل، إلا أن الحديث المتجدد اليوم عن تعديلات “جاهزة” يثير الشكوك حول مدى التزام الحكومة بذلك.
في الختام: العدالة الغائبة بين المالك والمستأجر
لا شك أن قانون الإيجار القديم فيه الكثير من التشوهات التي تحتاج إلى إصلاح، لكن السؤال الحقيقي ليس عن التعديل، بل عن كيفية التعديل، ومدى التزام الدولة بحقوق الإنسان والسكن الآمن، وليس فقط تحقيق توازنات مالية أو إرضاء لوبيات اقتصادية.
إن التعديلات المرتقبة، إذا لم تُبنَ على دراسة حقيقية للأثر الاجتماعي، وإذا لم تقم الدولة بدورها في حماية الفئات الأضعف، فإنها قد تؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات التي يعيشها المصريون يوميًا.










