شهدت المفاوضات بين مصر وصندوق النقد الدولي حول المراجعة الخامسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي تطوراتٍ مهمة، حيث أكد الصندوق على ضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، بما يشمل تقليص دور القطاع العام وتوسيع القاعدة الضريبية.
بينما أثارت هذه المطالب مخاوفًاً من تفاقم الأعباء المعيشية على الفئات محدودة الدخل، خاصةً في ظل استمرار التضخم عند معدلات مرتفعة بلغت 13.9% في أبريل 2025، وتراجع فعالية شبكات الأمان الاجتماعي في امتصاص الصدمات الاقتصادية.
السياق التاريخي لاتفاقيات الصندوق وتأثيرها الاجتماعي
منذ توقيع أول اتفاق مع صندوق النقد عام 2016 بقيمة 12 مليار دولار، خضع الاقتصاد المصري لسلسلة إصلاحات شملت تحرير سعر الصرف ورفع الدعم وفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14% (ارتفعت لاحقًا إلى 15%).
وأدت هذه الإجراءات إلى ارتفاع تكلفة المعيشة بنسبة 60% بين 2016 و2023، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ورغم إطلاق برنامجي “تكافل” و”كرامة” لدعم الأسر الفقيرة، فإنهما يغطيان فقط 11 مليون فرد من أصل 30 مليون شخص تحت خط الفقر، مما يترك فجوةً كبيرة في الحماية الاجتماعية.
توسيع القاعدة الضريبية وإلغاء الإعفاءات
يسعى الصندوق إلى زيادة الإيرادات الضريبية من خلال إلغاء الإعفاءات وتبسيط الإجراءات الجمركية، لكن الدراسات تشير إلى أن 62% من الأنشطة الاقتصادية في مصر تعمل بالقطاع غير الرسمي، مما يعقد عملية توسيع القاعدة. كما أن الاعتماد على الضرائب غير المباشرة (مثل VAT) – التي تشكل 65% من إجمالي الإيرادات الضريبية- يزيد العبء على محدودي الدخل، حيث تستهلك الأسر الفقيرة 47% من دخلها على السلع الأساسية الخاضعة لهذه الضرائب.
تقليص القطاع العام وخصخصة الأصول
يطالب الصندوق ببيع حصص في 11 شركة مملوكة للدولة بحلول 2026، في إطار خطة لتقليص دور القطاع العام الذي يستحوذ على 40% من العمالة المنظمة، لكن هذه الخطوة تهدد 2.1 مليون موظف حكومي بخسارة امتيازاتهم الوظيفية، في وقتٍ يعاني 78% من العاملين في القطاع الخاص من انعدام الاستقرار الوظيفي والتأمينات الاجتماعية.
تداعيات الإصلاحات على الفئات الهشة
تصاعد الضغوط التضخمية
رغم تبني نظام سعر الصرف المرن، لا تزال السياسة النقدية تعاني من تحديات جذرية. فمن المتوقع أن يؤدي رفع الدعم عن الطاقة – الذي يمتص 8% من الناتج المحلي- إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 30%، مما سينعكس على تكاليف النقل والسلع الأساسية.
كما أن تحرير سعر القمح قد يرفع سعر رغيف الخبز المدعم بنسبة 25%، وفقًا لتقديرات وزارة التموين.
محدودية فعالية برامج الحماية
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن قيمة التحويلات النقدية في برنامج “تكافل” تبلغ 350 جنيهًا شهريًا للأسرة، وهو ما لا يكفي لسد 23% من احتياجات الأسرة الأساسية في المتوسط.
بينما تعاني برامج الدعم العيني من ثغرات توزيعية، حيث تستفيد الأسر الغنية من دعم الطاقة بنسبة تفوق الفقراء بثلاثة أضعاف.
تفاقم بطالة الخريجين
في ظل خصخصة الشركات الحكومية، يواجه خريجو الجامعات (الذين يشكلون 36% من العاطلين) صعوبات متزايدة في الحصول على وظائف ذات أجر لائق. فمتوسط الأجر في القطاع الخاص لا يتجاوز 60% من نظيره الحكومي، ومع انعدام الضمانات الاجتماعية في 74% من الوظائف الجديدة.











