سجّل عدد الأشخاص الذين يمتلكون أصولاً قابلة للاستثمار لا تقل عن مليون دولار ارتفاعاً قياسياً في عام 2024، حيث نما بنسبة 2.6% ليصل إلى 23.4 مليون شخص حول العالم، وفقاً لتقرير الثروة العالمية السنوي الصادر عن شركة “كابجيميني” المتخصصة في الاستشارات المالية والتكنولوجية.
هذا النمو اللافت جاء مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الأسهم العالمية، خاصة في الولايات المتحدة، وبالطفرة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية، إلى جانب انتقال الثروات بين الأجيال.
طفرة أميركية في خلق الأثرياء
برزت الولايات المتحدة كقوة محركة لهذا النمو، إذ أضافت وحدها 562 ألف مليونير جديد خلال عام واحد، بزيادة 7.6%، ليصل عدد أصحاب الملايين فيها إلى 7.9 ملايين شخص. كما ارتفع عدد الأميركيين ذوي الأصول الفائقة (أكثر من 10 ملايين دولار) بنسبة 4.4%، وتجاوز عددهم 905 ألف شخص، أي أكثر من ضعف عددهم في الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي. ويعود هذا الارتفاع إلى الأداء القوي لأسواق الأسهم الأميركية، حيث سجلت مؤشرات ناسداك وداو جونز وستاندرد آند بورز 500 مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بالحماس تجاه الذكاء الاصطناعي وخفض أسعار الفائدة.
ثروات ضخمة في أيدي قلة
بلغت قيمة الأصول القابلة للاستثمار التي يمتلكها هؤلاء الأثرياء نحو 90.5 تريليون دولار في 2024، بزيادة 4.2% عن العام السابق. وتتركز الثروة بشكل أكبر لدى فاحشي الثراء (من يمتلكون أكثر من 30 مليون دولار)، إذ زادت أصولهم بنسبة 6.2% ليصل عددهم إلى 234 ألف شخص فقط، يمتلكون وحدهم 34% من إجمالي ثروات الأثرياء.
تفاوت صارخ: أغنى 1% يجنون 38% من الثروة الجديدة
رغم هذا النمو القياسي في أعداد الأثرياء وثرواتهم، تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بوتيرة متسارعة. فوفقاً لتقارير اللامساواة العالمية، حصل أغنى 1% على 38% من إجمالي الثروة الجديدة في آخر 25 عاماً، بينما حصل أفقر 50% من سكان العالم على 2% فقط من هذه الثروة. ويمتلك أغنى 10% من البالغين في العالم ما بين 60% إلى 80% من الثروة، بينما يمتلك نصف سكان العالم الأفقر أقل من 5% منها.
الفقر لا يتراجع… والجوع يتفاقم
في المقابل، بقي عدد الفقراء على حاله تقريباً، حيث يعيش أكثر من 700 مليون شخص تحت خط الفقر المدقع (أقل من 2.15 دولار يومياً)، بينما ارتفع عدد من يعانون من الجوع عالمياً. وتشير تقارير دولية إلى أن القضاء على الفقر لنصف سكان العالم قد يستغرق أكثر من قرن إذا استمرت وتيرة التقدم الحالية. وتبقى مناطق أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا الأكثر تضرراً من الفقر، في حين يتركز النمو في الثروات في أميركا الشمالية وأوروبا والاقتصادات المتقدمة.
تحليلات: أسباب وتداعيات موجة الثراء
الأسهم والتقنيات الجديدة: يعود النمو في أعداد الأثرياء إلى أداء أسواق المال، خاصة في أميركا، حيث قادت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي موجة ارتفاعات ضخمة في الأسهم.
انتقال الثروات بين الأجيال: يتوقع أن تنتقل ثروات بقيمة 83.5 تريليون دولار إلى الأجيال الشابة بحلول 2048، ما قد يغيّر أولويات الاستثمار عالمياً.
التوزيع الجغرافي للثروة: بينما تزداد أعداد الأثرياء في أميركا وآسيا، شهدت أوروبا والشرق الأوسط تراجعاً في عدد المليونيرات بسبب تقلبات الأسواق وضعف النمو الاقتصادي وانخفاض أسعار النفط.
استثمارات الأثرياء: يخصص الأثرياء 22% من أموالهم للأسهم، و19% للعقارات، و18% للدخل الثابت، مع اهتمام متزايد بالاستثمارات البديلة مثل الأسهم الخاصة والائتمان الخاص.
مفارقة عالمية: ثروات تتضاعف وفقر مستمر
تؤكد الأرقام أن العالم يعيش مفارقة صارخة؛ ثروات الأثرياء تتضاعف بوتيرة غير مسبوقة، بينما يظل الفقر والجوع على حالهما أو يتفاقمان في مناطق واسعة من العالم. ويثير هذا التفاوت تساؤلات حادة حول فعالية السياسات الاقتصادية والعدالة في توزيع الثروة، ويضع تحديات ضخمة أمام صناع القرار لتحقيق نمو أكثر شمولاً وعدالة.










