في إنجاز إنساني مهم، تمكنت العشائر الفلسطينية من حماية قوافل المساعدات الإنسانية الواردة إلى قطاع غزة، وضمان وصولها للمحتاجين رغم محاولات السرقة من العصابات المدعومة إسرائيلياً
نجح التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، اليوم الأربعاء 25 يونيو 2025، في تحقيق إنجاز مهم على الصعيد الإنساني بتأمين دخول شاحنات المساعدات الإنسانية إلى مناطق مختلفة من قطاع غزة، وحمايتها من السرقة والنهب. تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود المتواصلة لمواجهة أزمة المساعدات الإنسانية التي تفاقمت بسبب انتشار عصابات اللصوص المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي.
تفاصيل العملية الأمنية الناجحة
تمكنت العشائر الفلسطينية من تأمين وحماية دخول شاحنات المساعدات إلى شمال قطاع غزة بعد تنسيق دقيق مع المؤسسات الأممية. وصلت قوافل المساعدات إلى شمال غزة عبر منطقة “زيكيم”، حيث تولت العشائر الفلسطينية تأمين المسار الكامل لضمان سلامتها ووصولها إلى المحتاجين دون عراقيل أو اعتداءات.
وكانت الشاحنات محملة بكميات من الدقيق، والمواد الغذائية، والأدوية الأساسية، وتم تسليمها للجهات المختصة لتوزيعها وفق آليات شفافة. أظهرت صور ومقاطع فيديو دخول الشاحنات إلى مدينتي غزة وشمال القطاع، في وقت باتت فيه المؤسسات الدولية هي الجهة الوحيدة المصرح لها بالإشراف على التوزيع.
موقف العشائر الفلسطينية وإعلان الحماية
أكد عاكف المصري، المفوض العام لهيئة شؤون العشائر، أن دخول الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة يشكل خطوة أولى في مسار طويل من العمل الوطني المشترك لتخفيف معاناة السكان في ظل الحصار والعدوان المستمر.
“ما تحقق اليوم ليس سوى بداية، ونحن نعد أبناء شعبنا بمفاجآت قادم الأيام، من خلال جهود حثيثة تهدف إلى إدخال المزيد من الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية خلال الفترة المقبلة”
وأعلن التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية أمس الثلاثاء أن “العشائر ستباشر قريبا تأمين قوافل المساعدات بالتعاون مع المؤسسات الأممية حفاظا على أرواح أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع ومنعا للفوضى والنهب”.
التحدي الأساسي: عصابات النهب المدعومة من الاحتلال
تواجه جهود إيصال المساعدات الإنسانية في قطاع غزة تحديات كبيرة من عصابات اللصوص التي تعمل تحت حماية وتسهيل من جيش الاحتلال الإسرائيلي. وبحسب مصادر حكومية في غزة، فإن أبرز عصابتين إجراميتين تنشطان في سرقة المساعدات الإنسانية والإغاثية، هما:
- عصابة شادي الصوفي – تنشط من معبر كرم أبو سالم وحتى المستشفى الأوروبي
- عصابة ياسر أبو شباب – تنشط من المستشفى الأوروبي إلى القرارة شمالاً
تنشط هذه العصابات بشكل رئيسي في جنوبي شرقي غزة، حيث تدخل المساعدات من معبر كرم أبو سالم في رفح وحتى منطقة القرارة في خان يونس. وتحظى العصابات الإجرامية قرب معبر كرم أبو سالم ومعبر رفح بحماية إسرائيلية من ملاحقتهم من الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
الدور الإسرائيلي في دعم عصابات النهب
كشفت تحقيقات صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يسمح لمسلحين في غزة بنهب شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع، وأخذ “إتاوة” منها، وأن تلك الهجمات تنفذ تحت رقابته وعلى بعد مئات الأمتار منه. وقالت الصحيفة إن المسلحين يوقفون الشاحنات باستخدام نقاط تفتيش مؤقتة أو بإطلاق النار على إطارات الشاحنات، ثم يطلبون من السائقين دفع “رسوم عبور” بقيمة 5 آلاف دولار.
وأكدت وزارة الداخلية في غزة أنها رصدت اتصالات بين عصابات اللصوص وقوات الاحتلال في تغطية أعمالها وتوجيه مهامها، وتوفير غطاء أمني لها من قبل ضباط الشاباك. واعتبرت أن دعم إسرائيل لمجموعة “أبو شباب” يؤكد مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن سرقة المساعدات الإنسانية وإشاعة الفوضى في قطاع غزة.
تداعيات سرقة المساعدات على الوضع الإنساني
أدت عمليات النهب المنظمة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، حيث وصل سعر كيس الدقيق (الطحين) الواحد والذي يزن 25 كغم، إلى 500 شيقل (نحو 150 دولاراً). كما وصلت أكياس الأرز إلى 500 دولار وعلب السجائر إلى حوالي 1500 دولار.
وقد تسببت هذه العصابات في منع وصول جزء كبير من المساعدات إلى مستحقيها، مما أدى إلى بوادر مجاعة في جنوب القطاع. وبحسب تقارير دولية، فإن من بين حوالي 200 شاحنة مساعدات دخلت غزة في الأيام القليلة الماضية، تم سرقة أكثر من 170 شاحنة.
الاستجابة الأمنية ضد عصابات النهب
كثفت حركة حماس في الأيام الأخيرة من عملياتها الأمنية ضد عصابات اللصوص التي باتت تنتشر بكثافة في قطاع غزة. وقالت مصادر في وزارة الداخلية التابعة لحماس إنها قتلت 20 شخصاً من عناصر تلك العصابات في عملية نفذت شرق رفح.
وأكدت المصادر أن “العملية الأمنية لن تكون الأخيرة، وهي بداية عمل أمني موسع تم التخطيط له مطولاً وسيتوسع ليشمل كل من تورط في سرقة شاحنات المساعدات”. كما تم في الأيام الثلاثة الماضية قتل أو إطلاق النار على أقدام أو ضرب ما لا يقل عن 12 شخصاً ممن تورطوا بأحداث مختلفة في مناطق وسط قطاع غزة.
التحديات المستمرة والحلول المقترحة
رغم الجهود المبذولة من العشائر الفلسطينية، تستمر التحديات في إيصال المساعدات بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر. وحثّ التجمع الفلسطينيين على عدم التوجه إلى مناطق انطلاق الشاحنات أو مواقع توزيع المساعدات العشوائية، مؤكداً أن هذه المواقع بمثابة “مصايد موت”.
وقال البيان إن “المساعدات ستوزع عبر المؤسسات الدولية وبآلية تضمن وصولها العاجل والمنصف إلى كل أسرة دون تمييز، وبما يحفظ كرامة الجميع”. كما أكد الدكتور علاء الدين العكلوك، عضو الهيئة الإدارية في التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، أن شحنات المساعدات الإنسانية باتت الآن تحت وصاية وحماية العشائر الفلسطينية.
الأبعاد السياسية والاستراتيجية
تحمل مبادرة العشائر الفلسطينية أبعاداً سياسية مهمة، حيث تؤكد رفضها لأي محاولة إسرائيلية أو أمريكية للسيطرة على توزيع المساعدات. وقد رفضت الهيئة العليا لشؤون العشائر في المحافظات الجنوبية التعامل مع شركة أمريكية تحت اسم “إغاثة غزة” لتولي مهام توزيع المساعدات، معتبرة ذلك “انتهاكاً صارخاً للثقة الوطنية والمجتمعية”.
وأشاد الشيخ أبو سلمان المغني، رئيس الهيئة العليا لشؤون العشائر، بموقف رجال العشائر الذين وقفوا “درعاً لأبناء شعبهم”، مؤكداً أن ما جرى يُعبر عن “نخوة الرجال الذين لا تغيب عنهم المروءة ولا يتأخرون عن الواجب”.










