تشهد دير سانت كاترين الأثري في جبل سيناء أزمة داخلية حادة غير مسبوقة بين المطران داميانوس، رئيس الدير، و15 راهباً من أخوية الدير، الذين قرروا بالإجماع عزله من منصبه وسط صمت ملحوظ من البابا تواضرس الثاني.
قرار العزل والمطالبة الرسمية
في جلسة الجمعية العامة لأخوية سيناء المنعقدة يوم الأربعاء 30 يوليو 2025، اتخذ 15 راهباً قراراً بالإجماع بعزل المطران داميانوس من منصبه كرئيس للدير ورئيس أساقفة سيناء وفران ورايثو، استناداً للمادة 12 من النظام الأساسي للدير.
وقع على القرار كل من: الأب الرهباني سمعان، الأب الرهباني أرسانيوس، الأب الرهباني ميخائيل، الأب الرهباني نيلوس، الأب الرهباني نيفون، الأب الرهباني بامفيلوس، الراهب دانيال، الراهب صفرونيوس، الراهب أوستاثيوس، الراهب نكتاريوس، الراهب هيسيخيوس، الراهب ثيوفيلوس، الراهب ألكسيوس، والراهب موسى.
تم إرسال خطاب رسمي إلى بطريرك القدس ثيوفيلوس – الذي يتبع له دير سيناء كنسياً – يطالبون فيه بتثبيت قرار العزل والاعتراف به رسمياً.
أسباب الأزمة: مشروع القانون اليوناني المثير للجدل
تدور الأزمة الحالية حول مشروع قانون وزارة التعليم اليونانية الذي ينص على إنشاء كيان قانوني في اليونان باسم “دير جبل سيناء المقدس الملكي المستقل للروم الأرثوذكس في اليونان”.
اعترض بعض آباء الدير على هذا المسعى معتبرين إياه محاولة لتغيير الوضع القانوني التقليدي للدير الذي يتمتع بخصوصية فريدة تاريخياً وقانونياً في مصر. هذا الخلاف أدى إلى انقسام حاد بين الرهبان ورئيس الدير.
رد المطران داميانوس: اتهامات بـ”الانقلاب الكنسي”
وصف المطران داميانوس تحرك الرهبان بـ”الأعمال التآمرية” و“الانقلاب الكنسي الذي يهدد وحدة الدير”. أكد أنه العضو الوحيد في الأخوية الذي يحمل الجنسية المصرية، وأنه يمثل همزة الوصل القانونية والدبلوماسية مع الدولة المصرية.
اعتبر المطران أن محاولة عزله تضر ليس فقط بالدير ولكن بالعلاقات بين مصر واليونان والهيلينية الأرثوذكسية، وربط الأزمة بـمحاولة أطراف – لم يسمها – إضعاف موقف الدير القانوني في مصر بعد الحكم القضائي المصري المثير للجدل في مايو 2025.
الخلفية القانونية: أزمة ملكية الدير
تأتي هذه الأزمة الداخلية في سياق نزاع قانوني أوسع حول ملكية دير سانت كاترين. في 28 مايو 2025، أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية حكماً يقضي بأن الدير والأراضي التابعة له تخضع لقانون الآثار المصرية وتتبع المجلس الأعلى للآثار.
الحكم أقر بحق الدير في الانتفاع بالأراضي لكن ملكيتها للدولة المصرية باعتبارها مناطق أثرية دينية. هذا القرار أثار توتراً دبلوماسياً بين مصر واليونان، حيث وصف رئيس أساقفة أثينا إيرونيموس الثاني الحكم بأنه “إلغاء تاريخي لأي مفهوم للقانون”.
صمت البابا تواضرس وموقف الكنيسة المصرية
رغم حدة الأزمة، يلاحظ صمت البابا تواضرس الثاني حول الانقسام الداخلي في دير سانت كاترين. آخر تصريحاته العلنية حول الدير كانت في يونيو 2025 عندما أكد في مكالمة هاتفية مع بابا الفاتيكان أن “دير سانت كاترين خط أحمر ولا يمكن المساس به تحت أي ظرف”.
أصدر المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في يونيو 2025 توصية تنص على أن الكنيسة “تتابع باهتمام الوضع الخاص بدير سانت كاترين وتثمن موقف الدولة في عدم المساس بالدير أو الحياة الرهبانية به”.
التعقيدات الدبلوماسية والدولية
شهدت الأزمة تدخلاً دبلوماسياً مكثفاً بين مصر واليونان. في يونيو 2025، زار وزير الخارجية اليوناني جورجيوس جيرابيتريتيس القاهرة وعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين لمناقشة “وجود ضمانات واضحة تضمن عدم حدوث نزاعات حول الملكية في المستقبل”.
تم التوصل لاتفاق بين الطرفين ينص على “العمل في المستقبل القريب على حماية حقوق الدير ووضعه القانوني” و“المضي قدماً استناداً إلى التقاليد العريقة والوضع الراسخ للدير”.
الأهمية التاريخية والدينية للدير
دير سانت كاترين، الذي تأسس في القرن السادس الميلادي (548-565م)، يُعتبر أقدم دير لا يزال يُستخدم في مهمته الأصلية في العالم. أدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2002، ويحتوي على أكبر مكتبة مخطوطات في العالم مع 1444 قطعة أثرية متنوعة.
الدير فريد كونه يحتوي على مسجد بُني في القرن السابع الميلادي لخدمة بدو المنطقة، مما يجعله رمزاً للتعايش الديني. المطران داميانوس هو العضو الوحيد الذي يحمل الجنسية المصرية من بين 28 راهباً في الدير (25 منهم يونانيون يحملون تصاريح إقامة مؤقتة).
تطورات حديثة ومحاولات التهدئة
حاول المطران داميانوس مؤخراً التهدئة من خلال لقائه مع محافظ جنوب سيناء في يوليو 2025، حيث أعرب عن استيائه للقنوات الإعلامية التي بثت أخبار عارية من الصحة حول الأزمة، وناشد وسائل الإعلام تحري الدقة.
كما أكد حبه لمصر واعتزازه بالأمن والأمان الذي يتمتع به في البلاد، ووجه الشكر للرئيس السيسي والجيش والشرطة لتأمينهم المتزايد للدير.










