كشف موقع “أفريكا إنتليجنس” (Africa Intelligence) الفرنسي المتخصص في الشؤون الأفريقية عن توقيع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة عقدا إضافيا جديدا مع شركة الضغط الأمريكية “مركيوري بابليك أفيرز” (Mercury Public Affairs) بقيمة 70 ألف دولار شهريا للضغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب نيابة عنه وضمان بقائه في السلطة.
التفاصيل المالية: استثمار ضخم في الضغط السياسي
وفقا لتقرير “أفريكا إنتليجنس”، فإن العقد الجديد البالغ 70 ألف دولار شهريا (ما يعادل 840 ألف دولار سنويا) يأتي إضافة إلى العقد الأساسي الذي تحتفظ به شركة مركيوري بابليك أفيرز مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية منذ أكثر من خمس سنوات بقيمة 2 مليون دولار سنويا.
توجيه العقد الجديد
يوجه العقد الإضافي الجديد تحديدا إلى المجلس الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، وهدفه المعلن هو “الوصول إلى البيت الأبيض” والحصول على نفوذ مباشر داخل إدارة ترامب.
تعد مركيوري بابليك أفيرز واحدة من أبرز شركات الضغط السياسي في واشنطن، وتمثل حاليا كلا من حكومة الوحدة الوطنية الليبية والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية.
السياق السياسي: العرض الاقتصادي الضخم
يأتي هذا العقد في سياق الاجتماع الذي عقده الدبيبة مع مسعد بولس، مستشار ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، في يوليو 2025 بالعاصمة طرابلس. خلال هذا اللقاء، قدم الدبيبة عرضا استثماريا ضخما بقيمة 70 مليار دولار للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وتشمل الشراكة المقترحة مشاريع جاهزة في القطاعات التالية الطاقة والنفط (مع فرص في القطع النفطية الجديدة البحرية والبرية)، المعادن والتعدين، الكهرباء والبنية التحتية، الاتصالات والتكنولوجيا، القطاع الصحي.
أكد الدبيبة خلال اللقاء “حرص حكومة الوحدة الوطنية على بناء شراكات اقتصادية مع الولايات المتحدة، تفتح المجال أمام كبرى الشركات الأمريكية للمشاركة في مشاريع التنمية والاستثمار”.
استراتيجية البقاء في السلطة
ويسعى الدبيبة من خلال هذا العقد إلى مواجهة الضغوط المتزايدة من البرلمان الليبي الذي يطالب بإجراء انتخابات
مجلس الدولة الليبي الذي يشكك في شرعيته المستمرة.
وكذلك الأمم المتحدة وبعثة الدعم الدولية في ليبيان والمعارضة الليبية والمجتمع المدني الذي يطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية.
كما يواجه الدبيبة تحديا متزايدا من القوى في شرق ليبيا، خاصة من عائلة حفتر التي تسعى أيضا للحصول على الدعم الأمريكي، ففي أبريل 2025، زار صدام حفتر (نجل الجنرال خليفة حفتر) واشنطن والتقى بمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، بما في ذلك مسعد بولس ومسؤولين في الاستخبارات الأمريكية.
الوضع الليبي الحالي: انقسام مستمر
تشهد ليبيا منذ 2011 انقساما سياسيا بين حكومة الوحدة الوطنية بقيادة الدبيبة في طرابلس (غرب ليبيا) وتسيطر على المناطق الغربية، والحكومة الليبية المؤقتة المعينة من البرلمان في شرق البلاد تحت نفوذ الجنرال حفتر.
ويتركز الصراع حول السيطرة على موارد النفط الليبية الضخمة والحصول على الاعتراف الدولي بالشرعية.
تاريخ الضغط السياسي الليبي في واشنطن
ليس هذا العقد الأول من نوعه، فقد شهدت ليبيا منذ 2019 سباقا محتدما بين الأطراف المختلفة للحصول على الدعم الأمريكي من خلال شركات الضغط في أبريل 2019، وقعت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج عقدا مع مركيوري بقيمة 2 مليون دولار سنويا بعد أسبوع من تأييد ترامب المزعوم لتقدم حفتر نحو طرابلس.
وفي مايو 2019، رد الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر بتوقيع عقد مماثل بقيمة 2 مليون دولار مع شركة لندن غوفرنمنت سوليوشنز الأمريكية.
وتظهر الوثائق أن مركيوري خصصت 19 وكيلا مسجلا لحساب ليبيا، بما في ذلك شخصيات بارزة مثل السенات السابق ديفيد فيتر والنائب السابق جو غارسيا، وبرايان لانزا الذي عمل مدير اتصالات مساعد في حملة ترامب 2016.
الانتقادات والجدل المتصاعد
ووصف محللون سياسيون العرض الاستثماري الضخم وعقد الضغط بأنه “محاولة من الدبيبة لتثبيت موقعه السياسي رغم انتهاء ولايته ومحاولة للهروب من الضغوط الداخلية والدولية لإجراء انتخابات شاملة وإنهاء المرحلة الانتقالية”.
وتثير هذه العقود الباهظة تساؤلات جوهرية حول مصدر التمويل: من أين تأتي هذه الأموال الضخمة البالغة 840 ألف دولار سنويا إضافية؟
الشرعية القانونية: هل يملك الدبيبة سلطة دستورية لإبرام مثل هذه العقود دون موافقة برلمانية؟
الأولويات الوطنية: لماذا إنفاق مئات الآلاف على الضغط بينما يعاني الليبيون من أزمات في الكهرباء والمياه والصحة؟
الرقابة الشعبية: أين دور المؤسسات الرقابية في مراقبة هذا الإنفاق الضخم؟
ويظهر العرض البالغ 70 مليار دولار حجم الموارد التي يمكن تحريكها لجذب الاهتمام الأمريكي، خاصة في ضوء احتياطات النفط الليبية الضخمة (أكبر الاحتياطات المؤكدة في أفريقيا).
وكذلك الموقع الاستراتيجي لليبيا في شمال أفريقيا وقربها من أوروبا، حيث تبرز أهمية ليبيا في ملفات الهجرة والأمن الأوروبي والمتوسطي.
ويمثل تعاقد الدبيبة مع شركة الضغط الأمريكية نموذجا صارخا لاستخدام المال العام الليبي في صراع البقاء السياسي. بينما يعاني الليبيون من انقطاعات متكررة في الكهرباء، وأزمات في المياه والخدمات الصحية، ومعدلات بطالة عالية، تنفق الحكومة مئات الآلاف من الدولارات سنويا على محاولة التأثير على السياسة الأمريكية.










