سجل الجنيه السوداني خلال شهر أغسطس الجاري تراجعاً تاريخياً غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وبحسب بيانات السوق الموازي، بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي اليوم الأحد 31 أغسطس نحو 3,500 جنيه سوداني، مقارنة بـ560 جنيهاً فقط في أبريل من العام الماضي، ما يعكس خسارة تجاوزت 525% من قيمة العملة المحلية خلال أقل من عامين ونصف
أزمة اقتصادية عميقة تلتهم البلاد
شهدت العملة السودانية انهياراً متسارعاً خلال الأسابيع الأخيرة، حيث ارتفع الدولار من 3,000 جنيه في بداية أغسطس ليصل إلى 3,400-3,500 جنيه بنهاية الشهر. وتراوحت أسعار الدولار خلال الأسبوع الماضي بين 3,000 و3,190 جنيهاً، قبل أن تقفز مجدداً لتصل إلى مستويات قياسية جديدة في ظل غياب أي تدخل من البنك المركزي السوداني الذي فقد عملياً قدرته على التأثير في السوق.
يرى خبراء اقتصاديون أن أسباب هذا الانهيار تعود إلى خلل بنيوي في الاقتصاد، أبرزها توقف الإنتاج في القطاعات الحيوية، وتراجع أداء البنوك التجارية، واعتماد البنك المركزي على إصدار العملة دون غطاء نقدي، إلى جانب ارتفاع معدلات السفر والهجرة، وتوجيه الإيرادات نحو الإنفاق العسكري.
الحرب تدمر أسس الاقتصاد السوداني
منذ اندلاع الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، يشهد السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخه. أدت الحرب إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29.4% في عام 2023 و13.5% في عام 2024، وفقاً لتقارير البنك الدولي.
تسببت الحرب في نزوح أكثر من 12.8 مليون شخص، ويحتاج أكثر من 30 مليوناً إلى مساعدات عاجلة. كما قدر الخبراء خسائر الاقتصاد السوداني بحوالي 600 مليار دولار منذ اندلاع الحرب.
تضخم جامح يلتهم القوة الشرائية
شهد معدل التضخم في السودان ارتفاعاً مدمراً، حيث وصل إلى 218% في أغسطس 2024 مقارنة بـ83% في يناير 2023. وارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسب فاقت 400% نتيجة طباعة النقود دون غطاء، وتدهور الإنتاج، وغياب السيطرة النقدية.
أشار تقرير برنامج الأغذية العالمي إلى أن تكلفة السلة الغذائية المحلية ارتفعت إلى 2,036 جنيه سوداني للوحدة الواحدة، بزيادة 12% عن الشهر السابق و124% مقارنة بالعام الماضي.
قطاع الزراعة يواجه الدمار
تعرض القطاع الزراعي، الذي يمثل حوالي 35% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 40% من العمالة، لأضرار جسيمة. امتد النزاع إلى المناطق الزراعية الرئيسية مثل ولاية الجزيرة، وتراجع الإنتاج الوطني من الحبوب بنسبة 46% في عام 2023 مقارنة بالعام السابق.
أزمة مصرفية ونقص السيولة
تواجه البنوك السودانية أزمة حادة نتيجة تدمير البنية التحتية المصرفية، حيث تعرض البنك المركزي وبعض فروعه للنهب والتخريب، وتدمرت أنظمة الصراف الآلي والمخدمات المصرفية.
أجبرت هذه الأوضاع الحكومة على إصدار عملة جديدة بقيمة 1,000 جنيه في يناير 2025، لكن العملية تعثرت بسبب عدم توفر أوراق نقدية كافية، مما دفع المواطنين للاعتماد بشكل متزايد على المدفوعات الرقمية والخدمات المصرفية الإلكترونية.
الذهب.. المورد المفقود
مثّل الذهب أكثر من 70% من صادرات السودان عام 2022 بعائدات 4.7 مليار دولار، لكن مع تفكك الدولة، تحول معظم إنتاج الذهب للتهريب وتمويل الحرب، حيث يُقدّر أن 40-60% من عائدات الذهب كان يُهرّب حتى قبل الحرب.
توقعات قاتمة للمستقبل
يرى البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني غير مرجح أن يعود إلى مستويات ما قبل الحرب قبل عام 2031 على الأقل، وأن أي تعافٍ مستدام يعتمد على إنهاء النزاع وتنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة.
حذر خبراء اقتصاديون من أن التدهور المتسارع قد يؤدي إلى انهيار القوة الشرائية للجنيه وتخلي المواطنين عن التعامل به كوسيط للتبادل، والبحث عن عملة بديلة أكثر استقراراً.










