في تطور خطير يهدد العمل الإنساني في اليمن، اعتقلت جماعة الحوثي 11 موظفاً من الأمم المتحدة في حملة وصفت بأنها “تعسفية وانتقامية” أعقبت الإعلان عن مقتل رئيس حكومة صنعاء أحمد غالب الرهوي في غارة إسرائيلية. هذه الاعتقالات الجديدة تضاف إلى 23 موظفاً أممياً آخرين لا يزالون رهن الاحتجاز منذ سنوات, في انتهاك صارخ للقوانين الدولية وتهديد مباشر للجهود الإنسانية في البلاد.
تفاصيل الحملة الانتقامية والمنظمات المستهدفة
أكد المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أن الحوثيين شنوا “موجة جديدة من الاعتقالات التعسفية لموظفي الأمم المتحدة في صنعاء والحديدة”, والتي تضمنت “الاقتحام القسري لمقرات الأمم المتحدة والاستيلاء على ممتلكاتها”.
استهدفت الحملة عدة منظمات دولية رئيسية، حيث اقتحم مسلحو الجماعة مقر برنامج الغذاء العالمي في صنعاء واختطفوا اثنين من موظفيه واحتجزوا آخرين داخله. كما تعرض مقر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية لمداهمات مماثلة, في عملية منسقة استهدفت شل العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
بحسب المصادر، اختطف جهاز مخابرات مليشيات الحوثي 3 موظفين من منظمة اليونيسف و7 موظفين من برنامج الغذاء العالمي من مقراته بصنعاء والحديدة بتهمة التخابر لجهات خارجية. كما فرضت الجماعة الإقامة الجبرية على عدد من الموظفين الأمميين في منازلهم, في إجراء يهدف إلى شل أنشطة المنظمات الدولية بالكامل.
السياق: الاغتيال الإسرائيلي لرئيس حكومة الحوثيين
جاءت حملة الاعتقالات كرد فعل مباشر على الإعلان الرسمي لجماعة الحوثي عن مقتل رئيس حكومتها أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء في الغارة الإسرائيلية التي استهدفت صنعاء يوم الخميس 29 أغسطس 2025.
أكدت مصادر طبية يمنية أن 12 شخصاً من حكومة الحوثيين سقطوا بين قتيل وجريح جراء الهجوم الإسرائيلي. ومن بين القتلى نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة والتنمية المحلية محمد حسن إسماعيل المداني، ووزير الخارجية والمغتربين جمال عامر، ووزير الإعلام هاشم شرف الدين، ووزير العدل وحقوق الإنسان القاضي مجاهد أحمد عبد الله.
استهدفت الغارة الإسرائيلية “ورشة عمل اعتيادية تقيمها الحكومة لتقييم نشاطها وأدائها خلال عام من عملها”, في عملية وصفها الجيش الإسرائيلي بأنها استهدفت “بنية تحتية تواجد في داخلها عشرات من كبار المسؤولين في نظام الحوثي”.
الأرقام الصادمة للمعتقلين الأمميين
تكشف الإحصائيات الرسمية عن أرقام مذهلة حول حجم الاعتقالات التعسفية التي ينفذها الحوثيون ضد العاملين في المجال الإنساني. يصل العدد الإجمالي للمعتقلين الأمميين الآن إلى 34 موظفاً (11 جديد بالإضافة إلى 23 محتجزين سابقاً).
بعض المعتقلين محتجزون منذ عامي 2021 و2023, مما يعكس نمطاً ممنهجاً من الاعتقالات التعسفية. والأخطر من ذلك، توفي موظف من برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الحوثيين في وقت سابق من عام 2025, مما يثير مخاوف جدية حول سلامة المعتقلين الآخرين.
حسب تقارير منظمتي “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش”، فإن الحوثيين نفذوا منذ 31 مايو 2024 سلسلة مداهمات واحتجزوا تعسفياً 13 موظفاً من الأمم المتحدة و50 موظفاً على الأقل في منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية. كما نفذوا بين 23 و25 يناير 2025 موجة اعتقالات أخرى واحتجزوا تعسفياً ثمانية موظفين آخرين.
ردود الفعل الدولية والإقليمية الحازمة
واجهت حملة الاعتقالات الحوثية إدانة دولية واسعة النطاق. ندد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ “بشدة” بالموجة الجديدة من الاعتقالات التعسفية, مؤكداً أن “هذه الإجراءات تعيق بشدة الجهود الأوسع نطاقاً لتقديم المساعدات وتعزيز السلام في اليمن”.
من جانبه، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “بشدة” احتجاز الحوثيين لموظفي الأمم المتحدة, واصفاً الاعتقالات بأنها “تعسفية” وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
على الصعيد الإقليمي، وصف وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني ما جرى بأنه “حملة مسعورة” ضد الأمم المتحدة وموظفيها. وأوضح الإرياني أن الحوثيين “لا يزالون يعتقلون العشرات من الموظفين الأمميين والعاملين في منظمات دولية وبعثات دبلوماسية”, مما يعكس نمطاً ممنهجاً من الانتهاكات.
جدد المبعوث الأممي مطالبته لجماعة الحوثي بـ”الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة، بالإضافة إلى موظفي المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، ومنظمات المجتمع المدني، والبعثات الدبلوماسية”.
التأثير الكارثي على العمل الإنساني
تتسبب هذه الاعتقالات في تفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلاً في اليمن, حيث أن العديد من المعتقلين كانوا يعملون على تقديم المساعدة أو الحماية إلى من هم في أمس الحاجة إليها في شمال اليمن.
دفعت الاعتقالات الأمم المتحدة إلى الإعلان في يناير 2025 عن تعليق جميع التحركات الرسمية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وداخلها. هذا القرار له تداعيات كارثية على إيصال المساعدات المنقذة للحياة للأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها.
أكد المبعوث الأممي أن عمل موظفي الأمم المتحدة يُصمم ويُدار وفقاً لمبادئ الحياد والنزاهة والاستقلالية والإنسانية, وأن “هذه الاعتقالات تشكل انتهاكاً للالتزام الجوهري باحترام وحماية سلامة وكرامة موظفي الأمم المتحدة وقدرتهم على أداء عملهم الأساسي في اليمن”.
حملة اعتقالات أوسع تطال المدنيين
لم تقتصر الحملة الانتقامية على موظفي الأمم المتحدة، بل امتدت لتطال العشرات من المدنيين اليمنيين. أفادت مصادر أمنية بأن السلطات الحوثية أوقفت العشرات في العاصمة صنعاء وفي عمران شمال صنعاء وذمار جنوب العاصمة “للاشتباه في تعاونهم مع إسرائيل”.
كما شنت الجماعة منذ صباح الجمعة حملة اعتقالات طالت العشرات من الناشطين في صنعاء وعمران وذمار. المصادر أكدت أيضاً إيقاف عدد من موظفي رئاسة الوزراء والحراسات الشخصية للوزراء الذين كانوا على دراية بموعد ومكان اجتماع الحكومة لحظة القصف الإسرائيلي, في محاولة لتحديد مصادر تسرب المعلومات.
تداعيات خطيرة على مستقبل العمل الإنساني
تمثل هذه الاعتقالات تصعيداً خطيراً في سياسة الحوثيين تجاه المجتمع الدولي، وتهدد بتقويض الجهود الإنسانية في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. يحتجز الحوثيون بالفعل عشرات من الموظفين الأمميين وموظفي منظمات إنسانية محلية ودولية منذ أكثر من عام بـ”شبهة التجسس”.
كانت مليشيات الحوثي قد اختطفت في يونيو 2024 أكثر من 65 موظفاً في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وبعثات دبلوماسية في حملة ضغط استهدفت مساومة المجتمع الدولي لتمرير أجندة مشبوهة للجماعة المدعومة من إيران.
أعرب المبعوث الأممي عن تضامنه مع “زملائه المعتقلين وعائلاتهم”, مؤكداً أن “إطلاق سراحهم سيظل أولوية له ولسائر أسرة الأمم المتحدة”.










