كشفت صحيفة “دون” الباكستانية في تقرير تحليلي بعنوان “فشل مشروع طالبان 2” عن اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات انتقامية ضد حركة طالبان، جاءت كرد فعل مباشر على الاعتراف الروسي التاريخي بحكومة طالبان في يوليو 2025. هذه التطورات تسلط الضوء على تعقيدات الوضع الجيوسياسي في أفغانستان وتداعيات فشل طالبان في الوفاء بالتزاماتها الدولية بعد أربع سنوات من السيطرة على السلطة.
الاعتراف الروسي: نقطة تحول تاريخية
أصبحت روسيا في يوليو 2025 أول دولة تعترف رسمياً بحكومة طالبان منذ توليها السلطة في أغسطس 2021, حيث أعلنت موسكو قبولها سفيراً من الحركة هو جول حسن حسن. جاء هذا القرار بعد إزالة موسكو طالبان من قائمتها للمنظمات الإرهابية في أبريل 2025.
برّرت وزارة الخارجية الروسية قرارها بالقول إن “الاعتراف الرسمي بحكومة إمارة أفغانستان الإسلامية سيعطي زخماً لتطوير تعاون ثنائي مثمر بين بلدينا في مختلف المجالات”, مشيرة إلى “آفاق واعدة للتعاون في المجالين التجاري والاقتصادي، مع التركيز على مشاريع في مجالات الطاقة والنقل والزراعة والبنية التحتية”.
الإجراءات الانتقامية الأمريكية
منع سفر وزير الخارجية
اتخذت الولايات المتحدة نهجاً انتقامياً تجاه طالبان بعد اعتراف موسكو بها، حيث منعت وزير خارجية طالبان أمير خان متقي من السفر إلى باكستان. كان من المقرر أن يتوجه متقي إلى باكستان في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، لكن الزيارة تم تأجيلها لـ”مشكلات فنية”.
أكدت مصادر أمريكية أن واشنطن استندت إلى روايات شهود تؤكد أن طالبان تحتجز محمود شاه حبيبي داخل مقر استخباراتها، واتخذت قراراً بمنع سفر أمير خان متقي رداً على ذلك. أوضح مصدر أمريكي أن “طالبان الآن تتعامل مع ترامب، لا مع بايدن، وترامب لا يهادن في مسألة استعادة المواطنين الأميركيين”.
سحب الدعوة الهندية
انسحبت الهند من دعوة أمير خان متقي إلى دلهي، حيث سحبت الحكومة الهندية دعوتها لوزير خارجية طالبان لزيارة نيودلهي بين 27-29 أغسطس. لم توافق واشنطن وإسلام آباد على هذه الرحلة، مما يعكس التنسيق الدولي في الضغط على طالبان.
تحليل صحيفة “دون”: فشل مشروع طالبان الثاني
التقييم القاسي للأداء
كتبت صحيفة “دون” أنه على عكس اعتقاد الخبراء وعدد من السياسيين بأن الولاية الثانية لطالبان تغيرت أيديولوجياً ووظيفياً مقارنة بالولاية الأولى، فإن الجماعة لم تتغير على الإطلاق. حمّلت الصحيفة طالبان المسؤولية الكاملة عن الوضع الحالي في أفغانستان، مؤكدة أن سياسات طالبان الحالية لا تتفق مع الالتزامات الأولية للمجموعة.
انهيار الالتزامات الأولية
أشار محلل الشؤون الأمنية في الصحيفة إلى خارطة طريق الحركة والتزاماتها في بداية حكمها، والتي شملت عفواً عاماً، وإقامة دولة إسلامية شاملة، وضمان حقوق المرأة في إطار الشريعة الإسلامية، وحرية الإعلام، وضمانات أمنية للدول المجاورة. إلا أن هذه الالتزامات انهارت بسرعة بعد فترة وجيزة من تولي طالبان السلطة.
أصبحت الحكومة المؤقتة هيكلاً احتكارياً يهيمن عليه طالبان، وحُرمت النساء والفتيات من التعليم والتوظيف، وتم قمع وسائل الإعلام، ووجدت الجماعات المتطرفة مساحة لها مرة أخرى، وظلت أفغانستان في عزلة دبلوماسية.
العزلة الدبلوماسية المتزايدة
فشل في منظمة شنغهاي
أثار فشل طالبان في الحصول على دعوة لحضور اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون في الصين تكهنات بأن الصين تشعر بالقلق من المجموعة. اعتبرت الصحيفة هذا الإجراء بمثابة عقاب ضد طالبان لعدم الوفاء بوعودها للصين وباكستان لمواجهة الإرهابيين الذين يعملون على الأراضي الأفغانية.
موقف الصين المتحفظ
تقول المقالة إن الصين لا تزال غير متأكدة من قدرتها على الوثوق بطالبان فيما يتصل بالمشاركة في مشاريع التعدين والبنية التحتية العابرة للحدود الوطنية على المدى الطويل، لأن تجاربها المبكرة مع النظام لم تكن مشجعة.
حذر الدول المجاورة
تقول المقالة إن الدول المجاورة والإقليمية، على الرغم من رغبتها في الحفاظ على النظام الإقليمي، “حذرة” بشأن توسيع التعاون مع طالبان لأن النظام الداخلي لطالبان لا يزال يشبه القيود التي فُرضت في تسعينيات القرن العشرين، كما أن نهج المجموعة تجاه جيرانها لم يتغير.
دعم طالبان للجماعات المتطرفة
كشف تقرير أممي أن حركة طالبان الأفغانية مستمرة في تقديم الدعم اللوجيستي والمالي لحركة طالبان الباكستانية، مما يؤدي إلى زيادة الهجمات الإرهابية داخل إقليم خيبر والمنطقة الحدودية مع أفغانستان. يشير التقرير إلى أن أشكال الدعم تشمل دفع مبلغ شهري يصل إلى 3 ملايين أفغاني (ما يعادل نحو 43 ألف دولار أميركي).
التفاعل الأوروبي المحدود
أشارت صحيفة “دون” إلى التفاعل المشروط والمحدود لعدد من الدول الأوروبية مع طالبان، والتي تتفاعل مع الجماعة للحد من الهجرة “غير الشرعية” ومنع الانهيار الداخلي لأفغانستان. هذا التفاعل يعكس البرغماتية الأوروبية في التعامل مع الواقع الأفغاني دون منح الشرعية الكاملة لطالبان.
دور الملا هبة الله: السؤال الحاسم
طرحت الصحيفة تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الملا هبة الله، زعيم طالبان الأعلى، على فهم ضرورة التغيير. أشارت إلى أن بعض قادة طالبان ربما أدركوا أن التواصل الجاد مع المجتمع الدولي لا يتحقق فقط من خلال الشراكات الاقتصادية والتجارية، بل يتطلب أيضاً تغييراً اجتماعياً وسياسياً، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت قيادة طالبان، وخاصةً الملا هبة الله، تمتلك القدرة أو حتى الإرادة اللازمة لفهم هذا الواقع.
مخاطر اندلاع حرب أهلية
افترضت الصحيفة احتمال اندلاع حرب أهلية، وطرحت السؤال التالي: إلى أي جانب ستنحاز طالبان إذا اندلعت حرب أهلية مجدداً؟ هل ستعود إلى نفس الجماعة المسلحة التي كانت متحالفة مع تنظيم القاعدة، وحركة طالبان باكستان، وشبكات إرهابية إقليمية وعالمية أخرى قبل اتفاق الدوحة؟










