في السادس والعشرين من أغسطس 2025، شهدت قرية ترسين الواقعة في منطقة جبل مرة غرب السودان واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد؛ حيث ابتلعت الأرض القرية بالكامل في انهيار أرضي مدمر أسفر عن وفاة ما يزيد على ألف شخص، ولم ينجُ من سكانها سوى شخص واحد فقط. هذه الفاجعة التي حولت ترسين من واحدة من أبرز القرى الزراعية إلى مقبرة جماعية وضعت السودان أمام تحديات إنسانية وجيوسياسية ضخمة، وغيرت خريطة الأوضاع في دارفور المنكوبة.
خلفية قرية ترسين
تقع ترسين شرق جبل مرة، في وسط دارفور، وتشتهر بخصوبة أراضيها الزراعية وإنتاجها للحمضيات والخضراوات. استقر فيها السكان لعقود، لكنها واجهت مخاطر طبيعية متكررة بسبب تضاريس المنطقة الوعرة وكثرة الوديان والمنحدرات الشديدة الانزلاق. رغم حوادث سابقة، إلا أن انهيار هذا العام كان الأكثر دمارًا، حيث جرفت التربة والصخور القرية بكاملها في لحظات، تاركة سكانها وبنيتها التحتية تحت طبقات من الركام والطين دون أي أثر للحياة.
تفاصيل الحدث الكارثي
تزامن الانهيار الأرضي مع هطول أمطار غزيرة استمرت لعدة أيام، ما أدى إلى وقوع انزلاقات واسعة النطاق غطت القرية بالكامل. وصرح الناجي الوحيد أنه سمع صرخات النساء والأطفال قبل أن يُطمر كل شيء تحت الطين والصخور. اليوم، لم يتبقَّ أي بيت أو شجرة أو أثر للحياة سوى صمت المقابر. حركة جيش تحرير السودان التي تسيطر على المنطقة أعلنت أن عدد القتلى تجاوز الألف، مناشدة الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية التحرك العاجل لانتشال جثث الضحايا وتقديم المساعدة الإنسانية الفورية.
تحديات الإنقاذ والبحث عن ناجين
ظروف جبل مرة الأمنية، وصعوبة الطرق، وضعف البنية التحتية، إضافة إلى غياب الجهات الحكومية عن الإقليم في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، كل ذلك حال دون وصول فرق الإنقاذ والمساعدات الإنسانية بسرعة. لم تُنتشل سوى جثتين فقط من بين الضحايا في الأيام الأولى للكارثة، واستمرت عمليات البحث عن ناجين وسط ضعف الإمكانيات المحلية.
انعكاسات إنسانية وسياسية
كارثة ترسين جاءت لتضاعف من الأزمة الإنسانية الحادة التي يعيشها السودان. أكثر من نصف السكان يواجهون أزمة جوع ونزوح جماعي بسبب الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما زاد من هشاشة الأوضاع الإنسانية بعد مأساة ترسين. رئيس الوزراء السوداني ناشد منظمات الإغاثة الدولية إلى تقديم مساعدات عاجلة، مبرزًا أن ما حدث يستدعي تدخلاً واسع النطاق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة تأهيل المنطقة.
فرصة “ترسين” في إعادة رسم مستقبل السودان
رغم الدمار الهائل، ينظر الكثير من أبناء السودان إلى مأساة ترسين باعتبارها فرصة لتوحيد الصف الوطني وضخ دماء جديدة في مشاريع الإنقاذ والإصلاح الداخلي. لقد أظهرت الكارثة أهمية تطوير البنية التحتية في السودان، وضرورة التعاون الدولي لإغاثة المناطق المنكوبة. كما سلطت الضوء على الحاجة لتسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد السلطة المدنية وتدمج قوى الدعم السريع في الجيش وفق رؤية استراتيجية شاملة.
تركيبة وتعقيدات المشهد السوداني بعد ترسين
تضامن إقليمي ودولي واسع مع السودان، وخاصة من السعودية التي عبرت عن خالص تعازيها ودعمها للشعب السوداني.
تحديات أمنية في الوصول للمناطق المنكوبة بسبب سيطرة جماعات مسلحة وصعوبة التضاريس الجبلية.
تحول قرية زراعية إلى رمز للأزمة الإنسانية في البلاد، في ظل غياب أي تقدم في المفاوضات السياسية بين الجيش والدعم السريع.
معه، تتزايد أصوات المطالبة بفتح مسارات جديدة للسلام عبر الحوار الوطني والتوافق الداخلي، معتبرين أن ترسين ربما تمثل نقطة تحول، وفرصة تاريخية لإعادة ترتيب أولويات التنمية واستعادة الاستقرار.
دروس وفرص من مأساة ترسين
ضرورة تطوير بنية تحتية مقاومة للكوارث في المناطق المعرضة للانهيارات الأرضية عبر مشروعات محلية ودولية مشتركة.
الحاجة إلى مركز إنذار مبكر وإدارة كوارث في السودان، قادر على التدخل السريع وتنسيق جهود الإنقاذ.
إعادة بناء الثقة بين السكان والسلطات لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتمكين القوى المدنية من قيادة جهود الإغاثة.
توحيد الصف الوطني وجعل التكاتف الشعبي نقطة انطلاق نحو إصلاح سياسي شامل، يستند إلى إدارة الصراعات سلمياً وضمان التمثيل الأوسع لجميع مكونات المجتمع السوداني.
توظيف التضامن الإقليمي والدولي لتوفير الاستثمارات في التعليم والصحة والإغاثة، مع حشد المنظمات الإنسانية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأسر الضحايا.
وحدة السودان
ترسين تحولت بين ليلة وضحاها من قرية زراعية هادئة إلى عنوان أزمة وطنية، ولكنها أيضاً فرصة لصياغة واقع جديد في السودان. فهل يستطيع السودانيون تحويل الألم إلى أمل، وينجحون في جعل الكارثة بداية لعصر الإنقاذ وصناعة المصير المشترك؟










