اجتاحت شرق أفغانستان خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الزلازل العنيفة، قلبت حياة ملايين الأفغان رأساً على عقب، لتكشف مدى هشاشة البنية الإنسانية والاجتماعية تحت حكم حركة طالبان، وبؤس الواقع الاقتصادي والسياسي للبلاد.
الكارثة الطبيعية: زلازل تدمر قرى بأكملها
ضرب زلزالان مناطق كونار وننكرهار شرقي أفغانستان، الأول بلغت قوته 6 درجات والثاني 5.5 درجات، محولاً الليالي الأفغانية إلى مأساة جماعية، حيث لقي 1,400 شخص مصرعهم وأصيب أكثر من 3,124 شخصاً، إضافة إلى آلاف المنازل المدمرة ومئات آلاف المتضررين الذين فقدوا المأوى ومصادر الرزق.
فرق الإنقاذ واجهت تحديات ضخمة نتيجة الطبيعة الجبلية وصعوبة الوصول إلى القرى النائية، فيما اضطرت الحكومة لإنزال قوات خاصة جوًا وانتشال المصابين من تحت الأنقاض وسط حالة الذعر، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن حصيلة الضحايا مرشحة للارتفاع بسبب وجود العديد من العالقين.
حالة إنسانية مأساوية
يعيش الناجون فوضى الدفن وفقدان الأحبة، حيث اختفت عائلات كاملة بعد أن سوت الجبال قراهم بالأرض. وفي ظل بنية تحتية مشلولة، ناشد مسؤولون السلطات الدولية والمنظمات الإنسانية تقديم الدعم لمواجهة الكارثة والتعامل مع التحديات الصحية والغذائية التي تهدّد حياة المنكوبين.
اليابان أعلنت تخصيص مساعدات طارئة، بينما أطلقت المنظمات الدولية نداءات لإغاثة البلاد التي تعاني أصلاً من نقص تمويل المساعدات، مع تحذير الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر من فجوة تمويل ضخمة تحتاج لتدخل عاجل.
أزمة النازحين والعائدين
أفغانستان تشهد موجة نزوح غير مسبوقة؛ حيث عاد أكثر من 2.6 مليون شخص من باكستان وإيران ليجدوا أنفسهم بلا مأوى أو مصادر رزق، وسط تضاؤل التمويل الدولي، ما اضطر المنظمات لاتخاذ قرارات صعبة بشأن توفير الحد الأدنى من الطعام والرعاية للعائدين.
سياسات طالبان الجديدة وتداعياتها
منذ سيطرة حركة طالبان، تعيش البلاد في ظل نظام صارم يمنع النساء والفتيات من التعليم والعمل، ويضيق الحريات العامة، ما أدى إلى تدهور مؤشرات حقوق الإنسان وانكماش الاقتصاد المحلي. أدت سياسات إغلاق المؤسسات المالية وفقدان التعاملات البنكية إلى أزمة سيولة خانقة، وحياة اقتصادية شبه مشلولة، حيث تقف المؤسسات عاجزة عن تغطية معاملات القطاع الخاص والمنظمات الإنسانية، ويكابد السكان يومياً معاناة الحصول على أبسط مقومات الحياة.
الاقتصاد الأفغاني على حافة الانهيار
رغم محاولات سلطات طالبان لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وجمع الإيرادات، فإن العقوبات الدولية ونقص الدولار الأمريكي يضاعفان من أزمة السيولة في جميع البنوك. ورغم بعض التحسن في الصادرات وتثبيت العملة الأفغانية، فإن الاعتماد على الذات لا يكفي لسد فجوة الحاجات الإنسانية وتغطية مشاريع الإعمار.
وقد تردى الوضع المعيشي ونشطت سوق العمل غير الرسمي بالتوازي مع زيادة الدين الخارجي، ومع استمرار الحظر على زراعة الأفيون فقد فقدت آلاف الأسر موردها الوحيد.
المجتمع الدولي بين المساعدات والضغوط
رغم المناشدات المستمرة، لم يتم حتى الآن تأمين سوى 10% من التمويل المطلوب للعمليات الإنسانية، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول قدرة المجتمع الدولي على التدخل الفعّال في جحيم الأزمات المتراكمة في أفغانستان.
وتستمر الأمم المتحدة في دعوتها إلى احترام حقوق النساء والفتيات وإعطاء الأولوية للحريات، بينما تركز التقارير الحقوقية على ضرورة مراجعة سياسات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي حدّت من مشاركة المرأة في المجتمع والتعليم.
خاتمة
كل يوم في أفغانستان يعيد رسم خارطة الألم، فلا فجر جديد يُبشر بالاستقرار في ظل الأزمات المتلاحقة، ما لم يتحقق تدخل دولي عاجل وآليات دعم مستدامة توازي حجم المعاناة وتعيد بناء الثقة والأمل في مستقبل بعيد عن الأزمات والكوارث.










