في خطوة تعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية مجددا في آسيا الوسطى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس 18 سبتمبر 2025، عن رغبته في استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، مشيرا إلى أهميتها الاستراتيجية في ظل تنامي النفوذ الصيني في المنطقة. غير أن الحكومة الأفغانية بقيادة طالبان ردت سريعا برفض قاطع لهذه الفكرة، معتبرة إياها “غير مقبولة على الإطلاق”.
ترامب العودة إلى باغرام:
قال ترامب في تصريح إعلامي إن قاعدة باغرام “واحدة من أكبر القواعد الجوية في العالم”، واصفا موقعها بأنه بالغ الأهمية لقربه من الحدود الصينية.
وأضاف ترامب أن إدارته السابقة كانت تخطط للاحتفاظ بالقاعدة خلال الانسحاب الأمريكي عام 2021، لكنه اتهم إدارة الرئيس جو بايدن بأنها “منحتها لطالبان مجانا”.
وأشار ترامب إلى أن مصنعا للأسلحة النووية الصينية يقع على بعد ساعة واحدة فقط من قاعدة باغرام، في تلميح إلى مخاوف أمريكية من تعزيز النفوذ العسكري الصيني في المنطقة.
رد حازم من حركة طالبا:
رفضت حركة طالبان، التي تحكم أفغانستان منذ انسحاب القوات الأمريكية، هتصريحات ترامب بعودة الولايات المتحدة للسيطرة على قاعدة باغرام.
وكتب زاكر جلالي، مسؤول في وزارة خارجية طالبان، في تغريدة على منصة “إكس”:”الأفغان لم يقبلوا وجودا عسكريا أجنبيا في تاريخهم، وهذه الإمكانية رفضت كليا خلال محادثات الدوحة والاتفاقية الموقعة”.
وأكد أن أي علاقة مستقبلية مع الولايات المتحدة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح الاقتصادية والسياسية، وليس على أساس الوجود العسكري.
من جهته، نفى المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، مزاعم ترامب بأن الصين تستخدم قاعدة باغرام حاليا، مؤكدا أنها تحت “السيطرة الأفغانية الكاملة”.
وفي الولايات المتحدة أثار اقترح ترامب العوة إلى باغرام جدلا، حيث يراه بعض الخبراء تناقضا مع وعود ترامب الانتخابية بإنهاء “الحروب الأبدية”.
وعلى سبيل المثال، علق دانيال ديبيتريس، باحث في معهد أولويات الدفاع، على إكس: “ترامب يريد إنهاء التدخلات العسكرية، لكنه الآن يتحدث عن إعادة القوات إلى باغرام”.
دوافع ترامب:
يبدو أن ااقتراح ترامب بالعودة إلى قاعدة باغرام، مرتبط بمخاوف أمريكية من التوسع الصيني في المنطقة، حيث يرى ترامب في القاعدة موقعا مثاليا لمراقبة الصين.
ومع ذلك، أفاد مسؤولون أمريكيون سابقون أن استعادة القاعدة قد تتطلب نشر أكثر من 10 آلاف جندي، مع أنظمة دفاع جوي متقدمة، مما قد يشبه “غزوا جديدا” لأفغانستان، وهو أمر غير مخطط له حاليا.
كما أن اتفاقية الدوحة لعام 2020، التي وقعتها إدارة ترامب الأولى مع طالبان، لم تذكر الاحتفاظ بقاعدة باغرام صراحة.
ماذا تعرف عن قاعدة باغرام
قاعدة باغرام الجوية هي واحدة من أكبر القواعد العسكرية في أفغانستان، تقع في ولاية بروان على بعد حوالي 40 كيلومترا شمال شرق كابول. تأسست في الخمسينيات بمساعدة الاتحاد السوفييتي، وأصبحت مركزا استراتيجيا رئيسيا خلال الوجود العسكري الأمريكي والناتو في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.تاريخ القاعدة:الخمسينيات: بنيت القاعدة كجزء من التعاون السوفييتي-الأفغاني، مع تصميم يتضمن مدرجا طويلا قادرا على استيعاب الطائرات الكبيرة.
1979-1989: استخدمتها القوات السوفييتية خلال الغزو السوفييتي لأفغانستان.
2001-2021: بعد تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان، أصبحت باغرام المقر الرئيسي للقوات الأمريكية وقوات التحالف. استضافت في ذروتها أكثر من 100,000 جندي، وشملت بنية تحتية متطورة مثل:مدرج بطول 3,600 متر.
مستشفى عسكري.
منشأة سجن (مركز احتجاز باغرام) سيئ السمعة.
مرافق لوجستية ومخازن أسلحة.
الانسحاب الأمريكي (يوليو 2021): غادرت القوات الأمريكية والناتو القاعدة بشكل مفاجئ، تاركين وراءهم معدات عسكرية بقيمة ملايين الدولارات. سقطت القاعدة في يد طالبان بعد أسابيع، عقب انهيار الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب.
الوضع الحالي (سبتمبر 2025):سيطرة طالبان: القاعدة تحت السيطرة الكاملة لحركة طالبان منذ أغسطس 2021. استخدمتها بشكل رئيسي كمنشأة عسكرية محلية، مع تقارير تشير إلى إهمال جزئي لبعض البنية التحتية.
أهمية باغرام استراتيجية
الموقع: قربها من كابول وموقعها في وسط آسيا يجعلها نقطة مراقبة مثالية، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة في مواجهة منافسين مثل الصين وروسيا.
البنية التحتية: المدرج الكبير والمرافق المتطورة جعلتها مركزا لوجستيا حيويا، قادرا على دعم عمليات جوية واسعة النطاق.
الجدل الحالي: اقتراح ترامب أثار نقاشا حول جدوى العودة العسكرية، حيث يرى خبراء أن إعادة احتلال القاعدة قد يتطلب نشر آلاف الجنود وأنظمة دفاع جوي، مما يشبه “غزوا جديدا”، وهو أمر يتعارض مع شعارات ترامب بإنهاء الحروب.
قاعدة باغرام تبقى رمزا للصراعات التاريخية في أفغانستان، ومحاولات استعادتها تعكس التوترات الجيوسياسية الحالية. لكن مع رفض طالبان وتعقيدات الوضع السياسي، تبدو العودة الأمريكية إلى القاعدة غير مرجحة في الوقت الحالي










