وسط تصاعد النقاشات بشأن الإرث السياسي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تعود إلى الواجهة تساؤلات مثيرة تتعلق بملف غامض وغير مطروق بكثرة: هل أخفى ترامب حقيقة وجود مفاعل نووي تجريبي أو منشأة ذات طابع نووي في قاعدة باغرام الجوية بأفغانستان خلال فترة الاحتلال الأمريكي للبلاد؟منذ أن انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان في أغسطس 2021، ساد الغموض حول ما تركته واشنطن في تلك القاعدة التي كانت أكبر وأهم قواعدها العسكرية في المنطقة.
وبحسب تقارير غير مؤكدة تداولتها مراكز بحثية وإعلامية بدول آسيوية، فإن قاعدة باغرام لم تكن مجرد مركز عسكري يضم مطارات وسجون سرية، بل احتوت على منشآت مرتبطة ببرامج تكنولوجية متقدمة، بعضها قد يتعلق بالطاقة النووية.
قاعدة باغرام وأسرار التوسع الأمريكيتأسست قاعدة باغرام الجوية لتكون الذراع العسكرية الأبرز للولايات المتحدة في قلب آسيا الوسطى، حيث مثلت نقطة انطلاق للعمليات الجوية والاستخباراتية ضد طالبان وتنظيم القاعدة.
غير أن توسع القاعدة بشكل ملفت منذ عام 2005 أثار التساؤلات؛ إذ تمت إضافة منشآت تحت الأرض ومسارات إمداد تتميز بدرجة عالية من السرية.
محللون عسكريون أكدوا أن حجم الإنفاق على تطوير القاعدة تجاوز بكثير ما قد يُبرر الحاجة التقليدية لمقار عسكرية، ما عزز الشكوك حول وجود مشروع أكبر من مجرد قاعدة لوجستية
.من بين الفرضيات التي طرحت آنذاك، كان هناك حديث عن برامج مرتبطة بتخزين اليورانيوم المخصب أو إجراء تجارب نووية مصغّرة بالطاقة، بحجة تطوير مصادر بديلة
لتشغيل القاعدة عن طريق المفاعلات المدمجة الصغيرة.
هذه الفرضية تعززت بإشارات غامضة أطلقها بعض المسؤولين الأفغان السابقين الذين تحدثوا عن “أنفاق غريبة وأجهزة لم يروا مثلها من قبل” خلال زيارات محدودة للقاعدة في السنوات الأخيرة قبل الانسحاب.ترامب والتكتم على الملف النووييرى مراقبون أن إدارة ترامب عُرفت بالتكتم على كثير من الملفات الأمنية والعسكرية، خصوصًا تلك التي تمس برامج الأسلحة غير التقليدية.
فقد واجه ترامب مرارًا اتهامات بإخفاء أو التقليل من شأن تقارير تتعلق بخطط تسلح، بدءًا من تطوير أسلحة فرط صوتية وصولًا إلى برامج فضائية ذات طابع عسكري. وفي سياق قاعدة باغرام، يعتقد بعض الخبراء أن ترامب رفض مرارًا إصدار أوامر للكشف عن التقديرات المتعلقة بما تحتويه القاعدة، وأصرّ على الإبقاء على الأمر سرًا لحماية “المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة”.
صحيفة آسيوية مقرّبة من موسكو كانت قد نشرت عام 2022 تقريرًا أشارت فيه إلى أن الروس والصينيين يحاولون فهم طبيعة ما تركه الأمريكيون في أفغانستان، خصوصًا في باغرام. وزعمت أن بعض المعدات حُملت إلى خارج أفغانستان قبل الانسحاب مباشرة، بينما بقيت آثار منشآت محصّنة قد تكون مرتبطة بتجارب على مفاعلات صغيرة.
وإذا صحّت هذه المعلومات، فهي تشير إلى مدى حرص إدارة ترامب على إخفاء الأمر عن الرأي العام وحتى عن الحلفاء.صراع الروايات ومصالح القوى الكبرىما يزيد الشكوك هو أن قضية باغرام لا تزال محل تضارب في الروايات، إذ لم يُفتح تحقيق دولي شفاف حول ما إذا كانت القوات الأمريكية أجرت في أراضٍ أفغانية تجارب تحمل طابعًا نوويًا أو على الأقل نوويًا-طاقويًا. ورغم عدم وجود أدلة قاطعة، إلا أن تسرّب المعلومات من داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية يؤكد أن هناك تقارير سرية لم يُفرج عنها حتى الآن.
على الجانب الآخر، يرى معارضو هذه الروايات أن الأمر لا يعدو كونه محاولة من خصوم واشنطن لنسج “قصص المؤامرة” بهدف تشويه صورة الولايات المتحدة. لكن غياب الشفافية من جانب إدارة ترامب، خصوصًا فيما يتعلق بتقارير الطاقة والتسليح، أفسح المجال أمام بروز مثل هذه التكهنات.
تداعيات محتملةإذا ما تبيّن بالفعل أن الولايات المتحدة، تحت رئاسة ترامب، كانت تُخفي في باغرام منشأة نووية تجريبية، فإن التداعيات ستكون هائلة. أولًا، سيعني ذلك خرقًا للقوانين الدولية التي تحظر نشر تقنيات نووية في بلدان غير مستقرة أو خارج أراضي الدول النووية المعترف بها. ثانيًا، سيثير الأمر أزمة ثقة جديدة بين واشنطن وحلفائها في الناتو الذين لم يطّلعوا على ما جرى داخل أفغانستان.
وثالثًا، سيفتح الباب أمام مطالبات من طالبان، التي استولت على القاعدة بعد الانسحاب، بالكشف الدولي عن موقعها ومحتوياتها.
إلى الآن، يظل الملف محاطًا بسرية بالغة، وتبقى التساؤلات دون إجابات. هل أخفى ترامب سر المفاعل النووي في قلب أفغانستان؟ أم أن الأمر لا يتجاوز ضبابية تغذّيها حسابات سياسية وإعلامية في زمن التنافس الدولي؟ المؤكد أن الحقيقة لم تُكشف بعد، وقد يظل غموض باغرام أحد الألغاز الكبرى في تاريخ الحروب الحديثة










