“نص التقريرأحدث إعلان الحكومة الألمانية، مؤخراً، بشأن الشروع في ترحيل اللاجئين السوريين إلى بلادهم، جدلاً واسعاً على المستوى المحلي والأوروبي والدولي، إذ يعتبر القرار تحولاً جذرياً في سياسة اللجوء التي التزمت بها برلين منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حيث استقبلت ما يقارب المليون لاجئ سوري على أراضيها.
هذا الإعلان، الذي وصفه البعض بأنه “عودة للبراغماتية السياسية الألمانية”، أثار صدمة داخل الأوساط الحقوقية والإنسانية، مقابل ترحيب من تيارات يمينية طالما طالبت بخطوات مشابهة.منذ أكثر من عقد، شكّلت ألمانيا الوجهة الأبرز للسوريين الفارين من الحرب، وذلك بعدما فتحت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل أبواب البلاد أمام موجات النزوح الكبرى سنة 2015، في خطوة لاقت حينها إشادة واسعة باعتبارها نموذجاً للسياسات الإنسانية
. لكن المشهد تغير اليوم؛ إذ ترى حكومة برلين أن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق السورية شهدت تحسناً نسبياً، وأن بقاء عشرات الآلاف من السوريين في ألمانيا لم يعد مدعوماً بذات الذرائع الأمنية والإنسانية التي كانت قائمة خلال ذروة الصراع
.الحكومة الألمانية أوضحت في بيانها أن الترحيل سيشمل في المرحلة الأولى من “تقرر أنه يشكل خطراً على الأمن الداخلي أو ارتكب جرائم جنائية داخل ألمانيا”، فيما ستُبحث آليات أوسع تشمل لاجئين آخرين لاحقاً.
وبررت برلين هذه الخطوة بأنها تأتي التزاماً بضرورة حماية أمنها الداخلي، وكذلك استجابة للضغوط السياسية المتصاعدة من قبل أحزاب المعارضة واليمين المتشدد، الذي لطالما انتقد بقاء السوريين في البلاد معتبرين أن ذلك ساهم في أزمات اجتماعية واقتصادية.على الجانب الآخر، تحذر منظمات حقوق إنسان من خطورة هذه الخطوة على حياة السوريين المرحلين، مشيرة إلى أن الظروف الأمنية والسياسية في سوريا ما زالت غير مستقرة، وأن عودة الكثير من المعارضين أو المطلوبين للنظام قد تعني المخاطرة بحياتهم أو تعريضهم للاعتقال والتعذيب.
فيما اعتبرت منظمة العفو الدولية أن الخطوة “تشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية” الذي يُعد ركناً أساسياً في القانون الدولي.الجالية السورية في ألمانيا تواجه اليوم حالة غير مسبوقة من القلق، إذ يترقب آلاف الأشخاص مصيرهم المجهول في ضوء غموض تفاصيل القرار ومراحله التنفيذية.
العديد من العائلات السورية عبّرت عن صدمتها، معتبرة أن ألمانيا التي احتضنتهم يوماً باتت على وشك أن تغلق الأبواب في وجوههم، تاركة إياهم أمام خيار العودة القسرية لبلاد لم تعد آمنة بعد.
بعض السوريين نشروا عبر منصات التواصل الاجتماعي رسائل احتجاج وتحذيرات من “مأساة قادمة”، في حين تستعد منظمات سورية وأوروبية لتنظيم تظاهرات أمام السفارات والبرلمان الألماني، رفضاً للقرار.محللون سياسيون يرون أن وراء القرار دوافع انتخابية بالدرجة الأولى، إذ تسعى الحكومة إلى امتصاص الضغوط المتنامية من قبل اليمين الشعبوي، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة.
كما أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة في الداخل الألماني لعبت دوراً كبيراً في تسريع خطط إعادة لاجئين من بعض الجنسيات، حيث يربط عدد من الساسة بين ارتفاع أعداد اللاجئين والأزمة الخدمية في قطاعات الصحة والتعليم والإسكان.
في السياق الأوروبي الأوسع، يخشى مراقبون أن يشكل الموقف الألماني سابقةً قد تدفع دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي إلى تعديل سياساتها تجاه السوريين. إذ تعتبر برلين المحرك الأكبر لسياسة الاتحاد تجاه قضايا الهجرة واللجوء، وأي تحول في موقفها قد يفتح الباب أمام موجة قرارات مماثلة في فرنسا أو هولندا أو النمسا.
من الجانب السوري، رحبت بعض الدوائر الرسمية بخطوة برلين معتبرة أنها “الطريق الطبيعي لإنهاء ملف اللجوء”، حيث أعلنت وزارة الخارجية السورية استعدادها لاستقبال المواطنين “وفق إجراءات نظامية”.
غير أن هذا الترحيب يلقى رفضاً لدى قطاعات سورية معارضة اعتبرت أن برلين تقدم “هدية مجانية” لصالح دمشق، على حساب أرواح مواطنيها.
بين التصريحات الرسمية ومخاوف اللاجئين، يقف المشهد الآن عند نقطة مفصلية: ألمانيا التي لطالما عُدت ملاذاً آمناً أصبحت في نظر البعض مصدراً للتهديد، لتتجسد معضلة صعبة بين مقتضيات الأمن الداخلي والحسابات السياسية من جهة، والاعتبارات الإنسانية وحماية حياة المدنيين من جهة أخرى.
وبينما تتحرك دول ومنظمات حقوقية للضغط على برلين للتراجع أو تعديل القرار، يبقى آلاف السوريين في ألمانيا في حالة ترقب وقلق ثقيل، خشية أن يكون الغد موعدهم مع الترحيل إلى المجهول










