أروقة الرياضة المصرية، وبعيداً عن الأضواء المعتادة لكرة القدم، تدور أزمة جديدة بطلتها اللاعبة شروق وفا، إحدى أبرز الوجوه الصاعدة في عالم الشطرنج. وعلى الرغم من شهرتها المتزايدة كلاعبة شابة فرضت وجودها في البطولات العربية والإفريقية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن وضعها الراهن يثير جدلاً واسعاً بين المسؤولين والجماهير على حد سواء.شروق، التي منحها النقاد لقب “لافتة الشطرنج المصرية”، تحولت في فترة وجيزة من نموذج لطموح الرياضيين المصريين في الألعاب الفردية، إلى رمز للأزمات الإدارية والتحديات التي تواجه المواهب. القضية لم تعد مجرد خلاف إداري بين لاعبة واتحادها، بل امتدت لتطرح أسئلة أكبر عن طريقة إدارة الرياضة في مصر، وعن حجم الدعم الذي تحظى به الرياضة الفردية مقارنة بالاهتمام الجارف بكرة القدم
.بداية الأزمةأصل الأزمة يعود إلى خلاف تصاعد بين شروق وفا والاتحاد المصري للشطرنج بشأن ترتيبات مشاركتها في بطولة دولية كبرى أقيمت هذا الصيف. حسب روايتها وعدتها الإدارة بتغطية هزینه السفر والمعيشة كاملة، باعتبارها المصنفة الأولى محلياً والوجه الأكثر تمثيلاً لمصر في هذه المنافسة.
لكن المفارقة جاءت عندما وجدت اللاعبة نفسها مطالبة بتحمل جزء كبير من التكاليف، بل واضطرت إلى الاعتماد على دعم أصدقائها وعائلتها لتأمين السفر والظهور في المنافسة.
هذه الواقعة لم تمر مرور الكرام، إذ أطلقت شروق تصريحات نارية عبر حساباتها الشخصية على مواقع التواصل، كشفت فيها عن معاناتها، ووصفت الوضع بأنه “تهميش متعمد لمستقبل الأبطال في الألعاب الفردية”.
كلامها أثار موجة تضامن شعبية وإعلامية واسعة، مقابل صمت رسمي نسبي من المؤسسات الرياضية في البداية.الاتحاد يردوفي المقابل، أصدر الاتحاد المصري للشطرنج بياناً مقتضباً ينفي فيه “التقصير” ويشير إلى أن الأزمة مرتبطة بـ”ظروف مالية عامة تعيق دعم جميع اللاعبين بشكل متساوٍ”.
لكن التبرير لم يقنع المتابعين، خاصة أن اللاعبة المصنفة الأولى في بلادها كان يفترض أن تحظى بالأولوية. بل إن الأمر أثار موجة انتقادات أوسع تشكك في آليات إدارة موارد الاتحاد، ومدى عدالة توزيع الدعم على اللاعبين.شروق ردت على هذا البيان برفضها الواضح، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بالمال فقط بل بالكرامة المهنية.
هي ترى أن طريقة التعامل التي واجهتها تكشف عن غياب التقدير لدورها وجهودها، خصوصاً وهي التي رفعت اسم مصر في أكثر من بطولة وحصلت على ألقاب عديدة في سنوات قصيرة.انعكاسات نفسية ومهنيةالأزمة أثرت نفسياً على شروق، التي توقفت لفترة عن المشاركة في تدريباتها اليومية، بل وصرحت بأنها “تفكر بجدية في الاعتزال أو الهجرة الرياضية”، إذا ما استمر التجاهل.
هذه العبارة الصادمة أثارت حالة من القلق بين المتابعين الذين يعتبرونها مشروع بطلة يمكن أن تضع مصر في مصاف الدول المميزة على رقعة الشطرنج
.العديد من المدربين والخبراء الرياضيين دخلوا على خط النقاش، مؤكدين أن شروق تمثل حالة نادرة من الموهبة، وأن خسارتها بسبب خلاف إداري سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً. بعضهم أشار إلى أن دولاً أخرى تفتح ذراعيها لمثل هذه المواهب وتمنحها الجنسية الرياضية بسرعة فائقة، وهو احتمال يثير حساسية إضافية في الشارع المصري.الإعلام والجمهورمع تضخم الجدل، تحول الملف إلى قضية رأي عام. وسائل الإعلام المصرية والعربية خصصت مساحات بارزة لتغطية مستجدات الأزمة، وخصصت برامج رياضية وفقرة “ترند” عبر القنوات الكبرى للحديث عنها. على تويتر وفيسبوك، انتشرت وسوم تدعو لإنصاف شروق وتعدها أيقونة “الرياضة المظلومة”.
الجمهور بدوره أبدى انقسامات، إذ تعاطف الكثيرون معها معتبرين أنها تعكس صورة مأساة متكررة لأبطال الألعاب الفردية. بينما رأى آخرون أن أسلوبها الهجومي عبر السوشيال ميديا قد يفاقم الأمور بدلاً من حلها. لكنها تبقى حتى الآن تحظى بقاعدة تأييد شعبية متنامية، يرى فيها البعض “بطلة تقاتل على رقعة لا تقتصر على الشطرنج فقط بل على واقع الرياضة المصرية”.المستقبل المجهولحتى اللحظة، لم يتم الإعلان عن تسوية واضحة.
الأحاديث تتحدث عن وساطات جارية بين وزارة الشباب والرياضة والاتحاد لمحاولة التهدئة. لكن المراقبين يؤكدون أن الأمر يتجاوز مجرد “خلاف مالي”، مشيرين إلى حاجة ملحّة لإعادة النظر في أولويات دعم المواهب، ووضع آليات تضمن احتضان لاعبين من طراز شروق وفا وعدم تركهم فريسة لأزمات إدارية مدمرة.البعض يقترح تكريمها رسمياً ومنحها رعاية خاصة كخطوة لاحتواء الأزمة، بينما يحذر آخرون من أن استمرار التهميش سيدفعها فعلياً للخروج من المشهد الرياضي المصري
ازمة شروق وفا تبدو أكبر من كونها مشكلة فردية، فهي مرآة تعكس التحديات العميقة التي تواجهها الرياضة المصرية في التعامل مع المواهب الفردية
. على رقعة الشطرنج قد تكون اللعبة محصورة بين الأبيض والأسود، لكن في الواقع يبدو أن ألوان الأزمة متشابكة ومعقدة. والسؤال المطروح: هل ستتحرك الجهات المسؤولة لإنقاذ مستقبل بطلة واعدة أم أن شروق ستظل مثالاً مؤلماً لخيبات الأمل المتكررة؟










