من المغرب إلى الجزائر.. هل تنتقل عدوى احتجاجات جيل زد إلى دول المغرب العربي؟
تُظهر احتجاجات جيل زد التي اندلعت في المغرب أواخر سبتمبر 2025 بنية تنظيمية أفقية وحمولة اجتماعية واضحة حول التعليم والصحة والعدالة، ما يفتح سؤالاً عن احتمال انتقال العدوى إلى دول الجوار ضمن سياقات أمنية وسياسية متباينة في الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.
ماذا يحدث في المغرب؟
دخلت احتجاجات شبابية قادتها مجموعات لا مركزية مثل “GenZ 212” يومها الرابع مع مواجهات واعتقالات في عدة مدن، وسط مطالب بتحسين الخدمات العامة وتقليص الفساد وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادي.
اتهمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قوات الأمن بالاعتداء على متظاهرين وشن اعتقالات تعسفية، فيما أكدت تقارير رسمية إصابة شخص بعدما صدمت سيارة شرطة متظاهرين في وجدة خلال اتساع رقعة الاحتجاجات.
انتقد المحتجون الإنفاق على البنية التحتية الرياضية لكأس العالم 2030 وكأس أفريقيا 2025 مقابل تدهور قطاعات الصحة والتعليم، في شعارات لافتة من بينها “نريد مستشفيات لا ملاعب” بحسب تقارير دولية ومحلية.
قالت تقارير إن الحكومة عقدت اجتماعاً طارئاً وتعهدت بالاستجابة “الإيجابية” للمطالب، في حين تحدثت بيانات رسمية وإعلامية عن مئات الموقوفين وإصابات في صفوف الشرطة خلال الأيام الأولى للاحتجاجات .
جيل زد والتنظيم الأفقي
أظهرت تجربة “GenZ 212” اعتماداً كثيفاً على منصات مثل تيك توك وإنستغرام وديسكورد للتعبئة السريعة ودون قيادة تقليدية يمكن استهدافها، ما صعّب على السلطات تحديد مراكز القرار للحركة الناشئة.
وفي بيان للجماعة على فيسبوك، أعربت عن “الأسف” لأعمال شغب وتخريب، داعية إلى سلمية صارمة حفاظاً على “مشروعية المطالب”، وهو ما يعكس وعياً تكتيكياً بإدارة الصورة العامة والشرعية الاجتماعية للاحتجاج.
تتقاطع هذه السمات مع موجات احتجاج جيل زد في أفريقيا خلال 2024-2025 التي أبرزت دور تيك توك كأداة تعبئة سياسية سريعة الانتشار وعالية التأثير بين المراهقين والشباب، وفق بحوث ميدانية حديثة.
الجذور الاجتماعية والاقتصادية
تأتي التعبئة على خلفية معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب في المغرب، إذ أشارت بيانات رسمية إلى بلوغها نحو 36.7% للفئة 15-24 خلال 2024، مع تحسن طفيف إلى 35.8% في الربع الثاني من 2025 وفق سلاسل أخرى للقياس.
ورغم خلق عشرات الآلاف من فرص العمل في 2024، بقيت معدلات البطالة العامة مرتفعة عند 13.3%، ما يبقي الضغوط الاجتماعية حاضرة في سوق عمل غير قادر على استيعاب الدخول الواسعة لجيل جديد من الخريجين.
هل تنتقل العدوى إلى الجزائر؟
تاريخياً، تشترك الجزائر مع المغرب في قاعدة ديمغرافية شبابية واسعة وفضاء رقمي نشط، لكن بيئة الجزائر الأمنية والقانونية بعد 2019 تختلف جذرياً بفعل التضييق الممنهج على التجمع والتعبير منذ إخماد الحراك.
تتحدث تقارير حقوقية عن اعتقالات لنشطاء وصحفيين، وتضييق على الفضاء المدني والإعلام الرقمي، وتعديلات قانونية تُستخدم لتجريم التعبير، ما يجعل احتمالات التمدد السريع لاحتجاجات جيل زد أقل ترجيحاً مقارنة بالمغرب.
إضافة إلى ذلك، وثقت جهات بحثية تصاعد استخدام قطع الإنترنت كتكتيك لإدارة الاحتجاجات والانتخابات في أفريقيا، مع تصدر الجزائر إقليم شمال أفريقيا في عدد الانقطاعات الموثقة خلال 2016-2024، وهو ما يقيّد قدرة التعبئة الشبكية.
تونس.. القابلية الأعلى للتعبئة
تشير بيانات مرصد اجتماعي تونسي إلى تضاعف الاحتجاجات والاعتصامات بأكثر من 100% في النصف الأول من 2025، في سياق تدهور اقتصادي وتقييد للحريات منذ 2021 وتوسع استخدام القضاء ضد المعارضين والناشطين.
خرج مئات النشطاء في يوليو 2025 يصفون تونس بـ”السجن المفتوح” احتجاجاً على ما اعتبروه “نظاماً استبدادياً”، ضمن موجة أوسع من التعبئة الاجتماعية والسياسية المتصاعدة مع ارتفاع البطالة وتآكل القدرة الشرائية .
وتسجّل تقارير حقوقية دولية للعام 2025 استمرار الملاحقات وتضييق الفضاء المدني، ما يعزز فرضية أن تونس هي الحلقة الأكثر عرضة لالتقاط عدوى احتجاجات جيل زد في المدى القريب.
ليبيا وموريتانيا.. ديناميكيات مختلفة
في ليبيا، أثارت كارثة درنة 2023 موجة احتجاج ومطالب بمحاسبة المسؤولين، قابلتها اعتقالات من سلطات الأمن في الشرق وتقييد متزايد للفضاء المدني، ما يحد من فرص تمدد احتجاج شبابي واسع رغم الغضب الاجتماعي.
وثّقت تقارير أممية وحقوقية استمرار احتجاز منتقدين وانتهاكات بحق ناشطين في درنة عقب التظاهرات، في بيئة منقّسمة بين سلطتين ونزاعات مسلحة تؤطر هوامش الفعل الاحتجاجي المدني.
أما موريتانيا، فشهدت احتجاجات طلابية مطلع 2024 واجهتها الشرطة بالقوة واعتقالات طالت قيادات طلابية، ما يعكس قابلية التعبئة الموضوعية مع محدودية الحريات العملية في الشارع.
دور المنصات الرقمية والرقابة
تلعب تيك توك وواتساب ومنصات أخرى دوراً محورياً في تعبئة جيل زد وابتكار أشكال احتجاج هجينة تمزج السخرية السياسية بالمحتوى التعبوي، الأمر الذي يصعّب الاستباق الأمني للمسارات التنظيمية التقليدية .
بالمقابل، تتزايد تقارير عن إزالة ملايين المقاطع وحظر البثوث المباشرة في المنطقة خلال 2025 ضمن جهود “السلامة”، إلى جانب توثيق قطع الإنترنت المتكرر كتكتيك لإخماد التعبئة الرقمية.
أصوات وشهادات
قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الجزائرية تواصل “حملة قمع” تبرد الحريات بعد خمس سنوات على انطلاق الحراك، داعية لإطلاق سراح المعتقلين بسبب التعبير السلمي وإنهاء استخدام النصوص الفضفاضة لتجريم النقد.
وأكدت جماعة “GenZ 212” في المغرب في بيان أن “مشروعية المطالب” تقتضي الحفاظ على سلمية الاحتجاج ونبذ التخريب، في محاولة لضبط ديناميات الشارع المتقلبة في بعض المدن.
وفي تونس، هتف متظاهرون ضد ما وصفوه بـ”نظام استبدادي”، رافعين صور معتقلين سياسيين ومنددين بتدهور الأوضاع و”سجن مفتوح” يطوق الفضاء العام، وفق تقارير ميدانية في يوليو 2025.
السيناريوهات المحتملة
يُرجَّح أن يستمر الضغط الشعبي في المغرب مع محاولات سياسية للتخفيف من حدته عبر تعهدات حكومية وتحقيقات في تجاوزات الأمن، فيما تعتمد وتيرة التصعيد على استجابة ملموسة في ملفات الصحة والتعليم والشفافية.
في الجزائر، تُضعف تكلفة الاحتجاج المعلنة عبر القمع والقطع الرقمي فرص تشكل حركة شبابية مماثلة سريعاً، لكن التململ الاجتماعي قد يعاود الظهور في أشكال مشتتة أو نقابية موضعية.
تونس مرشحة لهزات احتجاجية متكررة مع استمرار الأزمة الاقتصادية والقضائية، بينما تحد الانقسامات والبيئة الأمنية في ليبيا ومحدودية الحريات العملية في موريتانيا من فرص عدوى واسعة النطاق رغم وجود دوافع اجتماعية.










