لحظة تاريخية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الحضور المصري على الساحة الدولية، أعلن المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» فوز الدكتور خالد العناني بمنصب المدير العام للمنظمة، بعد جولة تصويت حاسمة شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، متفوقاً على عدد من المرشحين من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بهذا الفوز، تصبح مصر للمرة الأولى في تاريخها على رأس أكبر منظمة معنية بحماية التراث الإنساني والتعليم والثقافة في العالم
.سباق محتدم وانتصار مفاجئ
الفوز الذي حققه العناني لم يكن سهلاً، إذ خاضت القاهرة خلال الأشهر الماضية معركة دبلوماسية متكاملة الأركان، قادتها وزارة الخارجية المصرية بالتعاون مع البعثة الدائمة لدى اليونيسكو. ووفق مصادر دبلوماسية في باريس، حصد العناني في الجولة الأخيرة ٢٣ صوتاً من أصل ٥٨، متقدماً بفارق ثلاثة أصوات فقط عن منافسته الأوروبية، وزيرة الثقافة السابقة في إسبانيا، التي كانت تحظى بدعم أوروبي واسع. وقد شكّل هذا التقدّم المفاجئ صدمة في الأروقة الدبلوماسية الغربية، نظراً لتوقعات كانت تميل لصالح المرشحين الأوروبيين حتى اللحظات الأخيرة.
ويُرجع مراقبون هذا الفوز إلى تحركات مصرية ذكية داخل المنظمة، وإلى حزمة تعهدات متوازنة قدّمها العناني بشأن إصلاح سياسات التمويل، وإعادة توجيه أولويات اليونيسكو نحو الدول النامية، بالإضافة إلى خطته لتعزيز حماية التراث في مناطق النزاع، وهو ما لاقى استحساناً كبيراً لدى الدول العربية والإفريقية والآسيوية.خالد العناني.. من عالم الآثار إلى قيادة الثقافة العالميةيُعد الدكتور خالد العناني أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية في مصر خلال العقد الأخير. وُلد عام 1971، وشغل مناصب رفيعة في الحكومة المصرية، أبرزها وزارتي السياحة والآثار حتى عام 2022.
ساهم في إطلاق مشروعات كبرى مثل المتحف المصري الكبير، وتطوير منطقة الأهرامات، وإحياء المومياوات الملكية، التي نالت تغطية إعلامية عالمية. يتمتع العناني بخبرة تجمع بين الإدارة والدبلوماسية الثقافية، ويمتلك شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأكاديمية والمنظمات الدولية.ويُعتبر انتقاله من خبير في علم المصريات إلى قيادة منظمة الثقافة العالمية خطوة رمزية مهمة، تُبرز الدور الذي تلعبه مصر باعتبارها مهد الحضارات، كما تعكس نجاح نموذج الدبلوماسية الثقافية المصرية الذي يجمع بين المهنية والهوية
.رؤية جديدة لليونسكوفي كلمته الأولى عقب إعلان فوزه، توجّه العناني برسالة طمأنة إلى جميع الدول الأعضاء، مؤكداً أن ولايته ستقوم على “مبدأ الشراكة لا الهيمنة”، وأن الوقت قد حان لـ”يونيسكو أقرب إلى الناس، لا إلى البيروقراطية”.
وأوضح أن أولوياته خلال العام الأول ستتركّز على ثلاث محاور رئيسية:تطوير التعليم الرقمي ودمج الثقافة في المناهج المدرسية لتصبح أكثر شمولاً وإنسانية.تعزيز حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.دعم استقلالية المنظمة مالياً وإدارياً عن الضغوط السياسية للدول المموّلة الكبرى
.ووفق مصادر في أمانة المنظمة، من المنتظر أن يبدأ العناني مهامه مطلع يناير 2026 بعد تسلّم رسمي من المديرة العامة السابقة الفرنسية أودري أزولاي التي شغلت المنصب منذ 2017، ليكون بذلك أول مصري وعربي
صدى مصري وعربي واسع
في القاهرة، استقبلت الأوساط السياسية والثقافية الخبر باحتفاء كبير، حيث بعث الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة تهنئة إلى العناني، مؤكداً أن فوزه “انعكاس لمكانة مصر الحضارية وثقة المجتمع الدولي في قدرتها على المساهمة في صياغة مستقبل الثقافة والتعليم في العالم.” كما أصدرت وزارة الخارجية بياناً وصفت فيه الفوز بأنه “نجاح للدبلوماسية المصرية في أحد أصعب الملفات الدولية”.من جانبها، رحبت جامعة الدول العربية بالفوز، معتبرة أنه “انتصار للثقافة العربية في ساحة دولية كانت تهيمن عليها القوى الغربية لعقود”. وأشادت منظمة الإيسيسكو بما وصفته “تحولاً نوعياً في إعادة التوازن الثقافي العالمي تجاه الجنوب”.
التحديات المقبلة رغم هذا الإنجاز
، تنتظر العناني ملفات صعبة، أبرزها الأزمة المالية المزمنة لليونسكو بعد انسحاب بعض الدول المموّلة، والتوترات بين القوى الكبرى حول قضايا التعليم والذاكرة الاستعمارية والمناهج التاريخية. كما سيتعين عليه الحفاظ على استقلال المنظمة في ظل صراعات النفوذ داخل مجلسها التنفيذي.ويرى خبراء أن شخصية العناني الهادئة وخلفيته الأكاديمية تمنحانه فرصة للعب دور توافقي، خاصة أنه عبّر عن نيّته تفعيل دبلوماسية ثقافية جديدة قائمة على “الاحترام المتبادل والتنمية المعرفية لا الصدام الأيديولوجي”.
وفي ختام هذا المشهد العالمي، يجد المصريون أنفسهم أمام لحظة فخر جديدة، إذ تعود القاهرة لتصنع الحدث على الساحة الدولية، لا عبر السياسة أو الاقتصاد، بل من بوابة الحضارة والمعرفة والثقافة التي طالما كانت سلاحها الأهم في بناء صورتها أمام العالم.













