في تصعيد جديد ينذر بتعقيد المشهد الانتقالي في جنوب السودان، هاجمت الحركة الشعبية لتحرير السودان (المعارضة) وزير العدل والشؤون الدستورية جوزيف قينق أكيج، متهمة إياه بـ”تسييس القضاء” في القضية الجارية ضد الدكتور رياك مشار تينج، النائب الأول الموقوف لرئيس الجمهورية، وعدد من قادة المعارضة المسلحة.
ووصفت المعارضة تصريحات الوزير بأنها “دليل على الجهل السياسي وانعدام الكفاءة القانونية”، محذرة من أن إقحام القضية في الخطاب العلني والإعلامي “قد يعد ازدراء للمحكمة وتقويضا لاستقلال القضاء”.
خلفية التصريحات المثيرة للجدل
خلال الاجتماع الاستثنائي الرابع للجنة المراقبة والتقييم المشتركة المعاد تشكيلها (R-JMEC) في جوبا، بتاريخ 7 أكتوبر، صرح الوزير أكيج بأن قضية د. مشار “قانونية بحتة” ويجب عدم تسييسها أو تحويلها إلى موضوع للنقاش العام.
وكان الوزير قد أعلن في وقت سابق من العام الحالي توجيه تهمتي الخيانة والقتل إلى د. مشار وسبعة من رفاقه، على خلفية أحداث شهدتها ولاية أعالي النيل في مارس الماضي، أشير فيها إلى تورط عناصر من ما يعرف بـ”الجيش الأبيض” التابع للمعارضة.
رد المعارضة: محاولة لتصفية سياسية وشرعنة محاكمة قبلية
جاء الرد من المعارضة سريعا، عبر العقيد لام بول غابرييل، المتحدث باسم الحركة الشعبية (المعارضة)، الذي وصف تصريحات أكيج بـ”الجهل الفاضح” و”تأكيد على أن القضاء يستخدم أداة للانتقام السياسي”.
وقال لام في بيان مساء الأربعاء:”حتى تلميذ في المرحلة الابتدائية يدرك أن وزارة العدل أسندت إلى الحركة الشعبية (المعارضة) بموجب اتفاق تقاسم السلطة لعام 2018، وليس للمجموعة الإسلامية أو أي فصيل آخر”.
وأضاف:”تعيين الوزير أكيج لم يكن على أساس الكفاءة أو القانون، بل نتيجة محاصصات سياسية داخلية، وهو ما يفسر الطابع السياسي والقبلي للمحاكمة الجارية”.
واتهم لام الوزير بمحاولة إقصاء د. مشار من الحياة السياسية وتوظيف القضاء لإعادة تشكيل التحالفات داخل الحكومة على أسس فئوية.
تحذيرات من استهداف لجنة “RJ-MEC”
لم تتوقف الانتقادات عند تصريحات الوزير، بل طالت أيضا هجماته غير المباشرة على لجنة المراقبة (RJ-MEC).
وحذر المتحدث باسم المعارضة من أن استهداف اللجنة يعد تجاوزا خطيرا، كونها الجهة المفوضة إقليميا لمراقبة تنفيذ اتفاق السلام.
“الوزير يعلم أن RJ-MEC تراقب أداء جميع الوزارات، بما فيها وزارة العدل، وإن مهاجمتها يعد تصرفا غير مسؤول ومحرجا للحكومة أمام الشركاء الإقليميين”، أضاف لام.
جلسة مغلقة… وشكوك متزايدة
تعقد اليوم الجلسة الثامنة للمحكمة الخاصة للنظر في قضية مشار ورفاقه، وسط قيود مشددة على التغطية الإعلامية وحضور الجمهور، ما يثير قلق الأوساط الحقوقية والسياسية بشأن شفافية وعدالة الإجراءات القضائية.
وتعد هذه القضية واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ توقيع اتفاق السلام المنشط لعام 2018، لما تحمله من دلالات سياسية قد تعيد خلط أوراق السلطة.
خطر تسييس القضاء على مستقبل السلام
يرى مراقبون أن الأزمة المتصاعدة تعبر عن اهتزاز العلاقة بين جناحي الحكومة الانتقالية (المعارضة والمجموعة الإسلامية)، وتسلط الضوء على التوتر الكامن في مؤسسات الدولة، خصوصا في الجهاز القضائي.
ويحذر خبراء من أن محاكمة د. مشار بهذه الطريقة قد تقوض الثقة المتبقية في اتفاق 2018، وتعيد إنتاج مناخ الانقسام الذي سعت الاتفاقية إلى إنهائه.
“كلما اقتربت العدالة من السياسة، ابتعد السلام عن الواقع”، هكذا لخص أحد المحللين الوضع الراهن، مشيرا إلى أن السبيل الوحيد نحو الاستقرار هو تحييد القضاء، وضمان استقلاله الكامل.










