في مشهد احتفالي داخل مصنع “AeroAbay” لتجميع الطائرات المسيرة، ظهر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وهو يفتخر بالقدرات الجديدة لبلاده في تصنيع الطائرات بدون طيار، معلنا أن إثيوبيا أصبحت تنتج “عددا كبيرا من الطائرات الانتحارية” محليا، واصفا إياها بأنها “مفتاح للدفاع عن المكاسب الاقتصادية” و”ركيزة للسيادة الوطنية”.
لكن خلف هذه التصريحات، يكمن واقع مروع لا يروج له الإعلام الرسمي: طائرات آبي المسيرة باتت أداة قمع وقتل داخلي، تحلق فوق رؤوس الإثيوبيين لا لحمايتهم، بل لاستهدافهم.
من الطموح التكنولوجي إلى الحرب على الشعب
أوضح آبي أحمد في تصريحاته أن إثيوبيا “تجاوزت مرحلة شراء المسيرات إلى إنتاجها باستخدام قدراتها الذاتية”، مشيدا بمشاركة “مؤسسات وطنية” في تطويرها. وذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال إن بلاده قادرة على “نشر أسراب لتدمير حشود الأعداء”، في إشارة واضحة إلى الأهداف العسكرية والداخلية لهذه التقنية.
لكن بعد أسابيع فقط، ضربت طائرة مسيرة مركزا صحيا في شمال وولو، وأسفرت عن مقتل أربعة مدنيين بينهم امرأة حامل، وإصابة أكثر من عشرة آخرين. لم تكن هذه الحادثة فريدة.
سلسلة من المجازر بصمت إلكتروني
وثقت مصادر محلية ودولية عددا متزايدا من الهجمات بطائرات مسيرة على المدنيين أغسطس/آب 2023: مقتل 30 مدنيا في “فينوت سيلام”، معظمهم شباب، إثر قصف بطائرة مسيرة.
قصف كنيسة في “هورو غودورو” يسفر عن مقتل 8 مدنيين وفي ديسمبر/كانون الأول 2023
كما شنت غارة في يناير/كانون الثاني 2022: على مخيم للنازحين في “ديديبيت” أسفرت عن مقتل 56 مدنيا وفي يناير/كانون الثاني 2022:غارة
أما في مايو/أيار 2022 قصف مطحنة دقيق في “تسيبري” أدى إلى مقتل 17 مدنيا.
وفي 2024 توثيق الأمم المتحدة لضربات استهدفت محطة حافلات ومدرسة، خلفت ما لا يقل عن 20 قتيلا مدنيا.
ورغم تكرار المطالبات بوقف هذه الهجمات، فإن قوات الدفاع الوطني الإثيوبية لم تبد أي التزام حقيقي، واستمر الاستهداف دون رادع.
المسيرات وسيلة سيطرة لا سيادة
بالنسبة لحكومة آبي أحمد، باتت الطائرات المسيرة جزءا من استراتيجية السيطرة الداخلية، وليست أداة ردع خارجي كما يروج لها. ويشير خطاب رئيس الوزراء بوضوح إلى تبرير استخدام هذه التقنية ضد “التهديدات الداخلية”، أي الاحتجاجات والمعارضة الشعبية، خصوصا في أقاليم تيغراي، أوروميا، وأمهرة.
لكن الحقيقة المؤلمة هي أن كل ضربة تسقط على مدرسة أو مسجد أو منزل، تزرع بذرة انتقام جديدة، وتفقد الدولة شرعيتها تدريجيا، مثلما حدث في أفغانستان، حيث فشل الاحتلال الأمريكي رغم 20 عاما من “دقة” المسيرات.
إفلات من العقاب… وغياب المحاسبة
في ظل هذا الوضع، يتحمل آبي أحمد المسؤولية السياسية والأخلاقية المباشرة عن عسكرة الطائرات المسيرة وتوظيفها في قمع الداخل. إن الاحتفاء بها كرمز للتقدم، فيما يقتل المدنيون تحت نيرانها، هو فشل أخلاقي واضح.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو الصمت الدولي المريب. فبينما تدين منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية هذه الهجمات، تلتزم دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا الصمت، مفضلة الحفاظ على مصالحها الجيوسياسية والأمنية.
فحتى بيان السفارة الأمريكية الأخير، والذي أدان العنف بشكل عام، خلا من أي دعوة مباشرة لوقف استخدام الطائرات المسيرة ضد المدنيين، ما يثير علامات استفهام حول التواطؤ الضمني.
إلى أين تمضي إثيوبيا؟
إذا استمرت الحكومة الإثيوبية في طريقها هذا، فإن الدولة تقايض الاستقرار طويل الأمد بمكاسب عسكرية قصيرة الأجل. كل ضربة تبعد الحل السياسي، وكل جثة تضاف إلى سجل مظلم يعمق الانقسام الداخلي، ويغذي الكراهية والانتقام.
الطائرات المسيرة، كما قال الأنثروبولوجي جيفري سلوكا، ليست أدوات “جراحية”، بل “أسلحة لإرهاب الدولة”. وتجربة إثيوبيا اليوم تثبت ذلك بكل وضوح.










