تعيش بلجيكا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية هشاشة في تاريخها الحديث، مع استقالة وزير الميزانية سفين جاتس، العضو البارز في الحكومة المؤقتة، التي بالكاد ما تزال متماسكة منذ انتخابات صيف 2024.
وفي رسالة إلكترونية موجزة أرسلها إلى زملائه في الحكومة، أرجع جاتس استقالته إلى “مشكلات صحية”، لكنه لم يخف في مناسبات سابقة شعوره بالإحباط من حالة الشلل السياسي المتواصلة. استقالته، رغم تبريرها الصحي، أثارت قلقا واسعا، نظرا لدوره الحيوي في إبقاء الحكومة المؤقتة قائمة وسط تعقيدات غير مسبوقة.
نظام سياسي متعثر… وتاريخ يعيد نفسه
تعرف بلجيكا بتاريخها السياسي المعقد، وسبق أن حطمت الرقم القياسي العالمي في تأخر تشكيل الحكومات عندما بقيت دون حكومة كاملة لمدة 541 يوما بين عامي 2010 و2011. واليوم، يبدو أن البلاد على أبواب أزمة مشابهة، إذ لم تنجح المفاوضات لتشكيل حكومة مستقرة منذ صيف 2024، رغم مرور أكثر من عام على الانتخابات.
مفاوضات مجمدة و6 أحزاب عاجزة عن التوافق
المفاوضات التي ضمت ستة أحزاب كبرى، بينها الاشتراكيون (PS) والليبراليون (MR وOpen VLD) والخضر والديمقراطيون المسيحيون.
ولا تزال مجمدة تماما، في ظل خلافات حادة حول السياسة الاقتصادية، الإنفاق، والهجرة، دون مؤشرات على حل قريب.
حكومة تصريف أعمال وعجز متفاقم
في الوقت الحالي، تعمل الحكومة بآلية تعرف بـ”الميزانية الاثني عشرية”، حيث يتم صرف مخصصات مؤقتة شهرية بناء على ميزانية العام السابق، دون صلاحيات لاتخاذ قرارات هيكلية أو إصلاحية.
وتحذر وكالة ستاندرد آند بورز من أن الوضع المالي للبلاد “يثير القلق”، وأبقت على التصنيف الائتماني لبروكسل مع تنبيه واضح بأن الوضع قد يتدهور إذا استمر غياب الحل السياسي.
إضراب عام يشل البلاد
أمس، شهدت بلجيكا إضرابا عاما هو الأكبر منذ سنوات، احتجاجا على إجراءات التقشف التي اقترحتها حكومة دي ويفر، خاصة تقليص إعانات البطالة، ورفع سن التقاعد إلى 67 عاما، وتجميد التوظيف في القطاع العام.
وتسبب الإضراب في شلل شبه كامل في بروكسل: توقفت وسائل النقل العام تعطلت حركة الطيران، وأغلقت العديد من المؤسسات العامة والخاصة.
اقتصاد في مأزق… وعجز يفوق 5%
في ظل هذه الفوضى السياسية، يعاني الاقتصاد البلجيكي من عجز مالي يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تصاعد تكلفة المعيشة وارتفاع الأسعار، ما يهدد بتفاقم الاستياء الشعبي، ويعزز مشاعر الغضب وعدم الثقة في النخبة السياسية.
ما التالي؟
مع فقدان شخصية رئيسية مثل سفين جاتس، واستمرار الجمود السياسي، تواجه بلجيكا احتمال الانزلاق نحو أزمة دستورية واقتصادية مزدوجة، ما لم تنجح الأحزاب الكبرى في التوصل إلى تسوية سريعة لتشكيل حكومة ذات صلاحيات كاملة.
في بلد يشتهر بتعقيداته اللغوية والسياسية، تبدو الحاجة إلى قيادة واضحة واستقرار سياسي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.










