بعد أكثر من عام ونصف على إطلاقها، تشهد خطة ماتّي الإيطالية للتعاون مع أفريقيا تحولات هامة، مع إعلان انضمام خمس دول جديدة للمشروع، هي: موريتانيا، أنغولا، غانا، تنزانيا، والسنغال. كما أعلنت روما عن تخصيص استثمارات إضافية بقيمة 160 مليون يورو لمشاريع تنموية تشمل مجالات الزراعة والطاقة والتعليم .
ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن المشروع يتجاوز نطاق التنمية التقليدية، ليصبح أداة استراتيجية لإعادة رسم النفوذ الإيطالي في القارة، لا سيما في دول حيوية مثل الجزائر ومصر.
خطة تحمل وعودًا كبيرة… وأهدافًا غامضة
في يناير 2024، احتضنت العاصمة الإيطالية روما قمة كبرى جمعت أكثر من 20 زعيمًا أفريقيًا وأوروبيًا للإعلان عن ما سُمّي بـ “خطة ماتّي لأفريقيا”. المبادرة أطلقتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لإعادة بناء العلاقات مع الدول الأفريقية على أسس «شراكة متكافئة».
حملت الخطة اسم مؤسس شركة الطاقة الإيطالية “إيني” الراحل، إنريكو ماتّيي، الذي اشتهر في خمسينيات القرن الماضي بدعمه لاستقلال الجزائر وغانا وسعيه لإقامة شراكات متكافئة مع دول الجنوب.
اليوم، تحاول ميلوني إحياء إرث ماتّي الرمزي، لكنها تفعل ذلك في سياق أوروبي مختلف تمامًا، تواجه فيه أوروبا أزمة طاقة بعد الحرب في أوكرانيا، ما يجعل شعار «أفريقيا الجديدة» أقرب إلى خطة طاقة قبل أن يكون خطة تنموية.
ويطرح السؤال الجوهري: هل هي حقًا مشروع للتنمية والشراكة المتكافئة، أم مجرد وجه جديد لسباق النفوذ على موارد أفريقيا؟
ما هي خطة ماتّي Mattei Plan ؟
في يناير 2024، استضافت روما قمة «إيطاليا–أفريقيا» بمشاركة 21 رئيس دولة وحكومة أفريقية، إلى جانب وزراء خارجية ومسؤولين كبار من الاتحاد الأوروبي (من بينهم أورسولا فون دير لاين، روبرتا ميتسولا، وتشارلز ميشيل)، إضافة إلى ممثلين عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وغيرهم.
خلال القمة، عرضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني تفاصيل «خطة ماتّي»، التي خُصصت لها تمويلات أولية تبلغ 5.5 مليار يورو من المساعدات والمنح والقروض الميسّرة، منها ثلاثة مليارات من «صندوق المناخ الوطني» الإيطالي و2.5 مليار من ميزانية التعاون الإنمائي.
تشمل الخطة تسعة مشاريع تجريبية في مصر والجزائر والمغرب وتونس وكينيا وإثيوبيا وموزمبيق وساحل العاج والكونغو الديمقراطية، وتركز على خمسة محاور أساسية: التعليم، الزراعة، الصحة، الطاقة، والمياه.
روما تصوّر الخطة على أنها “شراكة من أجل التنمية” تهدف إلى دعم البنية التحتية، والزراعة، والتعليم، والطاقة، مع التركيز على مكافحة الهجرة غير الشرعية. لكن مراقبين يرون أن الهدف الفعلي قد يكون استراتيجيًا واقتصاديًا يخدم مصالح إيطاليا أولًا.
الدوافع الاستراتيجية: أكثر من مجرد تنمية
تشير المؤشرات إلى أن وراء الخطة مجموعة من الدوافع الاستراتيجية:
أمن الطاقة: في ظل الأزمة الأوروبية، تسعى إيطاليا لتأمين بدائل للغاز الروسي، مع التركيز على الجزائر ومصر، الموردين الرئيسيين للطاقة. وتولي الخطة أولوية كبيرة لمشاريع الغاز التي تديرها شركة “إيني”.
إدارة الهجرة: تهدف إيطاليا إلى معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير الشرعية عبر خلق فرص اقتصادية في دول المنشأ والعبور.
تعزيز النفوذ الجيوسياسي: في مواجهة المنافسة الدولية على أفريقيا، تسعى روما لترسيخ نفوذها السياسي والاقتصادي، مقدمة نفسها كشريك أوروبي «بديل» قائم على «الشراكة المتكافئة».
بين الشراكة والمصالح
وفق تقرير المعهد الإيطالي للشؤون الدولية (IAI) الصادر في يوليو 2025، يعتمد نجاح الخطة على مدى إشراك الدول الأفريقية في صياغة المشاريع، وليس مجرد استقبالها كمنح من طرف واحد.
وقد انتقد مرصد الحسابات العامة بجامعة الكاثوليكية في ميلانو الطابع الطاقوي للخطة، مشيرًا إلى أن أكثر من نصف الأموال المخصصة ذهبت لاستيراد الغاز والنفط من الجزائر ومصر، بدلًا من الاستثمار في التعليم أو الصحة، ما يجعل المبادرة أقرب إلى سياسة طاقة جديدة منها إلى مشروع تنموي متكامل.
هل تتحول الخطة إلى مشروع هيمنة جديدة؟
يطرح محللون تساؤلات حول ما إذا كانت الخطة تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية، أم أنها أداة لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي الإيطالي في أفريقيا، في مواجهة منافسين كبار مثل الصين وروسيا وفرنسا.
كما أن منظمات المجتمع المدني الإيطالية تدعو إلى إشراك أكبر للمنظمات المحلية والأفريقية في تصميم المشاريع، بدلًا من نهج «من أعلى إلى أسفل» الذي قد يفقد المبادرة مصداقيتها على المدى الطويل.
كما يشير تقرير المعهد الإيطالي للشؤون الدولية:
«إذا نجحت الخطة في بناء شراكة شاملة، تشارك فيها الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني على حد سواء، فقد تمثل بداية حقبة جديدة في العلاقات بين أوروبا وأفريقيا. أما إذا بقيت أسيرة مصالح الطاقة والهجرة، فستكون مجرد حلقة جديدة في تاريخ طويل من الوعود غير المنجزة».
خطة ماتّي، رغم وعودها التنموية، تكشف في واقعها عن أولويات إيطالية استراتيجية أكثر منها أفريقية. التركيز على مشاريع الطاقة والهجرة يعكس أن الهدف الحقيقي هو تعزيز النفوذ الإيطالي في القارة، وليس تطوير مجتمعاتها. دون مشاركة فعلية للدول المحلية والمجتمع المدني، ستظل المبادرة مجرد واجهة لمصالح القوى الكبرى، لا أكثر










