في خطوة يمكن أن تعيد رسم ملامح التحالفات الإقليمية، تجري السعودية والولايات المتحدة محادثات متقدمة لإبرام اتفاقية دفاعية استراتيجية، على غرار الاتفاق الأمريكي القطري، لكنها قد تكون أقوى وأكثر شمولاً، تشمل التعاون العسكري والاستخباراتي وربما تسليح المملكة بطائرات متطورة مثل F-35. الخبراء وصفوا الاتفاق المتوقع بأنه “نسخة موسعة من الاتفاق القطري مع مزايا إضافية”، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا سيعزز الأمن الإقليمي أم يزيد من تعقيدات الصراعات في المنطقة؟
السياق الإقليمي والدوافع
تأتى خطوة السعودية نحو الاتفاق الدفاعي مع الولايات المتحدة في وقت حساس، حيث تتصاعد التوترات الإقليمية وتشهد المنطقة تهديدات محتملة من إيران والجماعات المسلحة المدعومة إقليمياً. هذه المخاطر زادت حدتها بعد الهجوم الإسرائيلي على قطر الذي استهدف قيادات في حركة حماس، مما دفع الرياض إلى البحث عن ضمانات قوية لتعزيز أمنها وحماية مصالحها الحيوية. كما تسعى المملكة من خلال هذه الاتفاقية إلى سد الثغرات التي شهدتها بنيتها الأمنية، لا سيما بعد هجمات 2019 على المنشآت النفطية، والتي شعرت الرياض بأن الرد الأمريكي عليها لم يكن كافياً. وتأتي هذه الخطوة أيضاً في إطار حماية برنامج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان “رؤية 2030”، الذي يتطلب بيئة مستقرة وآمنة لضمان نجاح استثماراته البالغة تريليونات الدولارات.
عقبات سابقة وحساسيات راهنة
لم تمر المحادثات السابقة بسهولة؛ فقد سبق للسعودية أن تفاوضت مع إدارة الرئيس بايدن لإبرام اتفاقية دفاع، إلا أن هذه الجهود انهارت بعد اندلاع حرب غزة. إضافة إلى ذلك، كانت المفاوضات مرتبطة بخطة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو أمر أكد الأمير محمد أن المملكة لن تقوم به إلا بعد إقامة دولة فلسطينية، بينما يعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك بشدة. رغم أن المحادثات الحالية مع إدارة ترامب تركز على اتفاق دفاعي منفصل، إلا أن رغبة واشنطن في رؤية تطبيع بين الرياض وتل أبيب قد تبقى نقطة خلاف محتملة تستدعي الحذر.
تعزيز التحالف والاستعداد للمستقبل
الاتفاق المتوقع يمثل فرصة لتعميق الشراكة القائمة بين الرياض وواشنطن، فالمملكة تعد من أكبر مشتري الأسلحة الأمريكية، وقد شهدت زيارات ترامب السابقة توقيع صفقات ضخمة، بما في ذلك صفقة بقيمة 142 مليار دولار. من منظور أمريكي، يشكل هذا الاتفاق وسيلة لتعزيز الوجود العسكري في الخليج، حماية خطوط إمداد النفط والطاقة العالمية، وتعميق التعاون الاستخباراتي مع حليف رئيسي. وفي الوقت نفسه، تستمر السعودية في تنويع تحالفاتها الأمنية، كما يظهر توقيعها مؤخراً اتفاقية دفاعية استراتيجية مع باكستان ذات القدرات النووية، في خطوة تؤكد استراتيجية التحوط التي تتبعها المملكة.
تبقى التفاصيل النهائية للاتفاق قيد التفاوض، وسط ترقب زيارة ولي العهد إلى واشنطن الشهر المقبل، والتي قد تشهد إعلاناً يضع الأسس لشراكة استراتيجية جديدة في منطقة متقلبة، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاتفاق على تحقيق التوازن بين الأمن الإقليمي، الطموحات التنموية، والضغوط السياسية الدولية.










