بينما كانت دول عربية رئيسية تُدين الحرب الإسرائيلية على غزة في العلن، كانت في الخفاء توسّع تعاونها الأمني مع الجيش الإسرائيلي، بحسب وثائق أمريكية مسرّبة كشفت عنها صحيفة واشنطن بوست ومنظمة الصحافة الاستقصائية الدولية (ICIJ).
هذا التعاون العسكري دخل مرحلة حرجة بعد الغارة الإسرائيلية على قطر في سبتمبر الماضي، لكنه قد يلعب دورًا محوريًا في مراقبة وقف إطلاق النار الناشئ في القطاع.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، وبرعاية الولايات المتحدة، اجتمع مسؤولون عسكريون كبار من إسرائيل وست دول عربية في سلسلة اجتماعات تخطيطية عُقدت في البحرين ومصر والأردن وقطر.
وفي حين أعلنت إسرائيل وحماس، الأربعاء الماضي، عن المرحلة الأولى من اتفاق سلام مبدئي يتضمن الإفراج عن جميع الرهائن وانسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية من غزة، أعلنت واشنطن، الخميس، إرسال 200 جندي أمريكي إلى إسرائيل لدعم تنفيذ الاتفاق، على أن ينضم إليهم جنود من عدد من الدول العربية المشاركة في هذا التعاون الأمني.
وقبل هذا الإعلان، كانت تلك الدول قد أعلنت دعمها لخطة ترامب ذات النقاط العشرين لإنهاء الحرب في غزة، والتي تدعو إلى نشر قوة عربية–دولية لتدريب شرطة فلسطينية جديدة في القطاع.
وفي بيان مشترك، قالت خمس من الدول الست إنها تؤيد “آلية تضمن أمن جميع الأطراف”، لكنها لم تلتزم علنًا بإرسال قوات.

قطر في قلب التعاون السري
رغم الغارة الإسرائيلية على الدوحة في 9 سبتمبر، التي استهدفت قيادات من حماس، كشفت الوثائق أن قطر كانت واحدة من الدول التي عززت سرًا علاقاتها العسكرية مع إسرائيل.
في مايو 2024، اجتمع مسؤولون عسكريون من إسرائيل ودول عربية في قاعدة العديد الجوية – أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الخليج.
تُظهر الوثائق أن الوفد الإسرائيلي كان سيصل مباشرة إلى القاعدة دون المرور بنقاط الدخول المدنية القطرية لتجنّب أي تسريب علني.
وبعد الغارة، قدّم بنيامين نتنياهو اعتذارًا رسميًا لقطر، بضغط من إدارة ترامب، متعهدًا بعدم تكرار مثل هذه الهجمات.
إيران… العدو المشترك
تُظهر الوثائق أن التهديد الإيراني كان الدافع الأساسي وراء هذا التقارب، والذي رعته القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
وصفت إحدى الوثائق إيران وميليشياتها بأنها “محور الشر”، فيما عرضت أخرى خريطة تُظهر صواريخ موجهة نحو غزة واليمن، حيث يسيطر حلفاء طهران.
خمس عروض تقديمية لـ”سينتكوم”، حصلت عليها ICIJ وراجعتها واشنطن بوست، كشفت عن إنشاء ما يسمى “الهيكل الأمني الإقليمي” (Regional Security Construct)، ويضم إسرائيل وقطر والبحرين ومصر والأردن والسعودية والإمارات، مع اعتبار الكويت وعُمان “شريكين محتملين”.
تدريبات مشتركة ومراقبة جوية
من بين الوثائق المسربة، عرض يوضح تدريبات أجريت في قاعدة فورت كامبل بولاية تينيسي في يناير 2025، شملت تدريبات على اكتشاف وتدمير الأنفاق تحت الأرض — وهي أداة رئيسية استخدمتها حماس في غزة.
كما شارك شركاء من ست دول في تدريب مشابه لم يُذكر أسماؤها.
الوثائق تكشف أيضًا أن “سينتكوم” قادت اجتماعات لتنسيق “حرب معلومات” لمواجهة الرواية الإيرانية التي تقدم طهران كمدافع عن الفلسطينيين، والسعي لترويج “سردية الشراكة والازدهار الإقليمي”.
ورغم هذا التعاون الخفي، واصل قادة مصر والأردن وقطر والسعودية إدانة الحرب الإسرائيلية على غزة، واصفين إياها بـ”الإبادة الجماعية”.
وفي الأمم المتحدة، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إن إسرائيل “دولة معادية لبيئتها وتبني نظام فصل عنصري”، بينما اتهمت السعودية تل أبيب بارتكاب “تجويع وتطهير عرقي” ضد الفلسطينيين.
تحالف بلا اسم
تنص الوثائق على أن هذه الشراكة “لا تشكل تحالفًا جديدًا” وأن جميع الاجتماعات “تُعقد بسرية تامة”.
ويرى الباحث اللبناني إميل حكيم، مدير الأمن الإقليمي في معهد الدراسات الاستراتيجية، أن واشنطن كانت تأمل أن يقود التعاون العسكري إلى تطبيع سياسي، لكنه قال إن “هذا الأسلوب يخفي الواقع المتوتر بين الأطراف”، مشيرًا إلى أن الغارة الإسرائيلية على قطر “قوّضت الثقة وستشوّه الجهود الأمريكية لسنوات”.
من “اتفاقات إبراهام” إلى المنظومة الجديدة
في 2022، وصف قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق الجنرال كينيث ماكنزي هذا التعاون بأنه “امتداد لزخم اتفاقات إبراهام”.
وبحسب الوثائق، فقد تحولت خطط الدفاع الجوي المشترك ضد الصواريخ والطائرات الإيرانية من نظرية إلى واقع.
ففي عام 2024، تم ربط العديد من الدول العربية المشاركة بنظم الرادار الأمريكية، مما سمح بتبادل بيانات المراقبة في الوقت الفعلي بين واشنطن وتلك الدول.
ومع ذلك، لم تمنع هذه الأنظمة الهجوم الإسرائيلي على قطر في سبتمبر. وقال الفريق الجوي الأمريكي ديريك فرانس إن الأنظمة “تركز عادة على إيران وليس على إسرائيل”.
التعاون يتوسع
تشير إحدى الوثائق إلى أن واشنطن تخطط لإنشاء “مركز سيبراني مشترك للشرق الأوسط” بحلول عام 2026، إضافة إلى “مركز دمج معلوماتي” لتنسيق العمليات الاستخباراتية.
كما كشفت وثائق أخرى عن تبادل سعودي–إسرائيلي للمعلومات بشأن الأوضاع في سوريا واليمن، وتهديدات الحوثيين وتنظيم “داعش”.
وقال مسؤول دفاع أمريكي سابق إن هذا التعاون يعكس “براغماتية” الدول الخليجية وثقتها في القدرات الإسرائيلية، مضيفًا: “يبدو أنهم مقتنعون بأن إسرائيل تستطيع أن تفعل ما تشاء دون أن يُكشف أمرها”.
في الختام، يشير محللون إلى أن دول الخليج قد تدعم ماليًا ودبلوماسيًا القوة الدولية المزمع إنشاؤها في غزة، لكنها على الأرجح لن ترسل قواتها إلى الميدان، في ظل مخاوفها من إيران ومن سلوك إسرائيل “غير المقيد”.










