“تغيير الوقت”: كيف تم ضبط الزمن في القرن التاسع عشر قبل تطور صناعة الساعات، لم يكن ضبط الوقت يومًا بهذه السهولة. اليوم، تكفي نظرة واحدة إلى الهاتف الذكي لتعرف الوقت الدقيق في أي مكان من العالم.
غير أن الأمر كان مختلفًا تمامًا قبل قرنٍ ونصف، عندما كانت دقة الزمن مهمة علمية تُدار من المراصد الفلكية، وكان المرصد الوطني في أثينا في قلب هذه العملية.
من الأجراس إلى الكرونومتر: بدايات تنظيم الزمن
في أواخر القرن التاسع عشر، كان ضبط الوقت يُعدّ تحديًا تقنيًا ومؤسسيًا. حينها، تولّى قسم الفلك في جامعة أثينا – الذي كان يشرف على المرصد الوطني – مسؤولية تحديد الوقت بدقة علمية، ليس فقط لأغراض البحث، بل أيضًا لخدمة الأسطول البحري والتجاري، وضمان انطلاق السفن من ميناء بيرايوس في الأوقات المقررة.
لم يكن في أثينا أو بيرايوس ساعات عامة دقيقة، لذا سُمح لصانعي الساعات بزيارة المرصد يوميًا بين الثالثة والرابعة عصرًا لمزامنة ساعاتهم مع الوقت الرسمي. ومع أن ذلك ساعد في توحيد التوقيت داخل العاصمة، إلا أن معرفة الوقت بالنسبة للمواطنين العاديين ظلت معقدة، فكان قرع أجراس الكنائس عند الظهر، بالتزامن مع إنزال علم المرصد، هو الإشارة الرسمية لحلول الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
أما المدن الأخرى في البلاد، فكانت تتلقى توقيت أثينا يوميًا عبر التلغراف، لضبط ساعاتها المحلية، وفقًا لما ورد في التقرير السنوي للمرصد لعام 1897–1898.
البشر يخطئون… والدقة تتطلب الكهرباء
لكن العامل البشري لم يكن دقيقًا دائمًا. فبعض الكهنة والموظفين المسؤولين عن قرع الأجراس لم يؤدّوا واجبهم بانتظام، ما خلق فروقات زمنية بين المناطق وأثر في سير العمل الحكومي والمواصلات العامة.
تلك الفوضى الزمنية دفعت المرصد إلى اقتراح إنشاء شبكة ساعات كهربائية، يتم التحكم فيها مباشرة من قبل العلماء، لضمان توحيد الوقت في العاصمة. ورغم موافقة بلدية أثينا على المشروع، إلا أن المحافظة رفضته لأسباب مالية، ما جعل “لكل مواطن وقته الخاص الذي يختلف عن الوقت الرسمي بما يصل إلى ربع ساعة”، كما ورد في تقرير عام 1891–1892.
ولادة شبكة الساعات الكهربائية: دقة لأول مرة في أثينا
بحلول أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، وصل الحل أخيرًا. بتمويل من رجل الأعمال نيكولاوس زريفيس من القسطنطينية، وبإشراف مدير المرصد ديمتريوس إيجينيتيس، تم تركيب 17 ساعة كهربائية موزعة في أنحاء أثينا، تُنظَّم مباشرة من المرصد.
افتُتحت الشبكة رسميًا في 25 مارس 1892، لتصبح العاصمة للمرة الأولى متزامنة زمنيًا على مستوى جميع أحيائها. أما المدن خارج أثينا، فاستمرت في تلقي إشارات الوقت عبر التلغراف، خاصة تلك التي تضم محطات لقياس الزلازل مثل أيجيو وزاكينثوس وكالاماتا.
من علم الفلك إلى ثقافة الدقة
يصف المؤرخ فانجيليس كارامانولاكيس من جامعة أثينا هذا الحدث بأنه “ثورة في الحياة اليومية للأثينيين”، إذ أصبحت الدقة جزءًا من هوية المدينة الحديثة. ويقول:
“كان من المذهل أن يعرف سكان أثينا في نهاية القرن التاسع عشر الوقت بدقة، بفضل شبكة الساعات الكهربائية التي نظمها المرصد والجامعة. لقد أصبحت الدقة رمزًا للتقدم والحياة الحديثة.”
لم يكن المرصد وحده من ساهم في ترسيخ هذه “ثقافة الدقة”، فقد شاركت معه مؤسسات علمية أخرى مثل مختبر الفيزياء وغرفة الكيمياء والمستشفيات الجامعية، في سعي مشترك لجعل القياسات الدقيقة والتحاليل العلمية الموثوقة أساسًا لقيام الدولة الحديثة.
الزمن… مرآة الحداثة
هكذا، من خلال علم الفلك والهندسة والكهرباء، تحوّل ضبط الوقت من مهمة فلكية إلى عنصر مدني أساسي ينظّم المواصلات، والخدمات، والحياة اليومية.
لقد كان الزمن في أثينا نهاية القرن التاسع عشر أول مرآة حقيقية للحداثة، ودليلًا على أن التقدم يبدأ أحيانًا من أدق التفاصيل — من ثانية واحدة مضبوطة بدقة.










