أثارت الباحثة سامية محمد، في مقال لها بمجلة “هورن ريفيو” الإثيوبية، تساؤلات هامة حول تأثير الجماعات الإسلامية العابرة للحدود، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، على الساحة الإثيوبية.
وركزت الباحثة في دراستها على التحديات التي تواجهها إثيوبيا في ظل التعددية الدينية والتوترات الطائفية الداخلية، وضرورة تحليل هذه العوامل ضمن السياق السياسي والديني المعقد في البلاد.
إثيوبيا: تاريخ من التعايش الديني والتعددية
بدأت الباحثة مقالها بتأكيد أن هوية إثيوبيا مستمدة من إرث طويل من التعايش الديني بين مختلف الطوائف. وأشارت إلى حادثة الهجرة الأولى للمسلمين إلى مملكة أكسوم في القرن السابع الميلادي، والتي رسخت مكانة إثيوبيا كملاذ آمن للمسلمين الهاربين من الاضطهاد في شبه الجزيرة العربية. وأضافت أن هذا التاريخ عزز من سمعة إثيوبيا في العالم الإسلامي كرمز للتعايش السلمي بين الأديان.
وأضافت الباحثة أن النظام الفيدرالي الإثيوبي، الذي تم تأسيسه عام 1995، ضمن الحقوق الدينية للمواطنين، وهو ما يساهم في الحفاظ على التعددية الدينية داخل الدولة.
جماعة الإخوان المسلمين: تأثيرها في إثيوبيا
وفيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، أوضحت الباحثة أن الجماعة التي تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، تتمتع بتأثير كبير في الحركات الإسلامية حول العالم، خاصة في الدول العربية.
وأوضحت أن الإخوان المسلمين يتبعون أيديولوجية إسلامية سياسية تهدف إلى إقامة دولة تحكمها الشريعة الإسلامية، وكان لهم دور محوري في معارضة الاستعمار البريطاني وتحقيق تغيير سياسي في عدة دول.
لكن الباحثة أشارت إلى أن تأثير الإخوان في إثيوبيا قد لا يكون على شكل نفوذ مباشر من خلال سيطرة التنظيم، بل قد يظهر في شكل تأثيرات أيديولوجية وثقافية قد تعزز من التوترات الداخلية بين فصائل المسلمين الإثيوبيين، خصوصًا بين التيار الصوفي التقليدي والجماعات السلفية/الوهابية.
حركة الأحباش والتحديات الطائفية
وفي سياق متصل، تحدثت الباحثة عن حركة الأحباش، التي ظهرت في إثيوبيا عام 2011، والتي سعت إلى تقديم رؤية إسلامية معتدلة ومتوافقة مع تاريخ التعايش بين الأديان في البلاد.
وقالت إن الحركة كانت تسعى إلى تعزيز هوية دينية وطنية تدعم السلم الاجتماعي في وجه التيارات المتشددة. ومع ذلك، أضافت الباحثة أن محاولات إدخال عقيدة الأحباش في الخطاب الديني الإثيوبي أثارت موجة من الاحتجاجات، واعتبرها البعض تجاوزًا للدولة في إدارة العقيدة.
التحدي الأكبر: استغلال الانقسامات الدينية
وتناولت الباحثة التحديات التي قد تنشأ نتيجة لهذه التوترات الدينية، مشيرة إلى أن جماعات إسلامية مثل الإخوان المسلمين قد تستغل هذه الانقسامات لتحقيق مصالح سياسية.
وأكدت أن الخطر الرئيسي لا يأتي بالضرورة من سيطرة الإخوان بشكل مباشر، بل من استغلال التوترات الداخلية لإثارة الانقسامات واستغلالها من قبل جهات إقليمية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن الخطاب الأساسي للإخوان يتمحور حول الدفاع عن المجتمعات الإسلامية التي يُنظر إليها على أنها مهمشة، وهو ما قد يعزز مشاعر الاستياء لدى بعض الجماعات. وأضافت أن هذا الاستياء، سواء كان حقيقيًا أو مُستَغَلًا، يمكن أن يُستخدم كقاعدة لنفوذ إيديولوجي خارجي.
التهديد الجيوسياسي وتأثير القوى الإقليمية
وفي جزء آخر من تصريحها، سلطت الباحثة الضوء على التحديات الجيوسياسية التي تواجه إثيوبيا في سياق أزمة سد النهضة.
واعتبرت أن التوترات الداخلية، إذا لم تُحل، قد تُستغل من قبل القوى الإقليمية التي تسعى لتعزيز مصالحها الخاصة، مما قد يؤدي إلى استخدام الخطاب الديني كأداة سياسية.
الاستراتيجية المقترحة: الحفاظ على التعايش وحماية الهوية الوطنية
في ختام تصريحاتها، أكدت الباحثة على ضرورة أن تعزز إثيوبيا من دورها كداعم للتعايش الداخلي بين مختلف المجموعات الدينية.
وأوصت بضرورة تعزيز الحوار بين التيارات الفكرية الإسلامية المختلفة، مثل الأحباش والسلفيين، من أجل حل الخلافات بشكل داخلي دون إفساح المجال للتأثيرات الخارجية.
كما دعت إلى تعزيز مشاركة إثيوبيا مع المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون الإسلامي، من أجل تعزيز السلم الاجتماعي وحماية حقوق جميع المجموعات الدينية في البلاد.
وفي الختام، أشارت الباحثة إلى أن التهديد الذي قد تشكله جماعة الإخوان المسلمين في إثيوبيا لا يتعلق بالضرورة بتوسعها المباشر، بل بتأثيراتها الأيديولوجية التي قد تؤدي إلى تعزيز الانقسامات الطائفية الداخلية.
وأكدت على ضرورة أن تكون الحكومة الإثيوبية يقظة في التعامل مع هذه التحديات، من خلال تعزيز الوحدة الوطنية والحفاظ على التعايش الديني بين مختلف الطوائف.










