في زمن تزداد فيه الضوضاء البصرية والازدحام العمراني، تبرز موجة جديدة في عالم العمارة المعاصرة تسعى إلى إعادة تعريف معنى المسكن، ليس كمساحة للعيش فحسب، بل كملاذ يحمي النفس والعين من صخب الخارج.
إنها المنازل بلا نوافذ، أو ما يعرف بـ”العمارة ذات الواجهات المغلقة”، التي توازن بين الصرامة الخارجية والسكينة الداخلية.
تصميم يوازن بين الانغلاق والنور
تبدو هذه المنازل من الخارج مغلقة وغامضة، أشبه بصناديق خرسانية لا تكشف شيئا عما بداخلها، لكنها في الواقع تخفي تصاميم داخلية غنية بالنور والهواء والهدوء.
فالمهندسون الذين يتبنون هذا التوجه لا يسعون إلى العزلة التامة، بل إلى خلق خصوصية وراحة بصرية تتيح للسكان العيش في أجواء من الطمأنينة بعيدا عن أعين المارة.
ويرى خبراء التصميم أن هذا الاتجاه يعكس رغبة متزايدة في إيجاد توازن بين الحياة الحضرية المكشوفة والحاجة الإنسانية إلى الانسحاب الآمن من العالم الخارجي، في زمن أصبحت فيه النوافذ الرقمية أكثر حضورا من النوافذ المعمارية.
أمثلة عالمية على هندسة الخصوصية
من المكسيك إلى اليابان، ومن أستراليا إلى إيطاليا، تتنوع النماذج التي تجسد هذا التوجه الجديد في العمارة:
في موريليا، المكسيك، صممت شركة HW Studio منزلا أبيض بواجهات مغلقة تماما، يمنح سكانه شعورا بالعزلة الهادئة. رغم غياب النوافذ الخارجية، يغمر الضوء الأبيض المساحات الداخلية من خلال فناء داخلي يرمز إلى النقاء والسلام.
في ناغويا، اليابان، استخدم المهندس تومواكي أونو خشب الأرز والسرو في بناء منزل أوغيماتشي، الذي يخلو من النوافذ المطلة على الشارع. بدلا من ذلك، تنير 37 نافذة سقفية المساحات الداخلية، موفرة ضوءا طبيعيا دون انتهاك الخصوصية.
في فيكتوريا، أستراليا، ابتكر ديفيد هيكس تصميم Woodend House بواجهات مغلقة توحي بالغموض. لكن وراء هذه الصرامة، تمتد مساحات داخلية فاخرة مستوحاة من المنازل الريفية الأوروبية، تجمع بين البساطة والبذخ الهادئ.
في واناكا، نيوزيلندا، يقدم منزل التزلج (SKI House) من تصميم روبرتس جراي تجربة فريدة تجمع بين الانغلاق والانفتاح، إذ تحيط الواجهات المغلقة بفناء داخلي مفتوح على الجبال، ليخلق تواصلا بصريا مع الطبيعة دون التخلي عن الحماية.
في صقلية، إيطاليا، صممت شركة Solom منزل الفناء المؤلف من مكعبات مستقلة بلا نوافذ خارجية، تتصل عبر أبواب زجاجية تطل على ساحات خاصة. هكذا تتحقق الخصوصية دون التضحية بالضوء أو الهواء.
في أوكيناوا، اليابان، يتخذ كوخ الهرم من تصميم IGArchitects شكلا هندسيا فريدا، تخترق جدرانه بفتحات زجاجية دقيقة وسقف زجاجي يوزع الضوء الطبيعي بذكاء، مانحا المسكن طابعا تأمليا خاصا.
في أوستن، الولايات المتحدة، صمم سكوت سبيخت منزلا من الفولاذ المقاوم للصدأ دون نوافذ خارجية، لكنه يحتضن فناء داخليا رحبا يجعل الضوء والهواء جزءا من التجربة المعيشية اليومية.
وفي بيرث، أستراليا، يقدم منزل كلوستر هاوس من تصميم مورك تجربة معمارية في العزلة الحضرية، إذ تحجب الجدران الإسمنتية القوية الإطلالات الخارجية، ويصبح الفناء مركز الحياة اليومية في هدوء تام.
عمارة تعيد التفكير في الانفتاح
لا تمثل هذه المنازل مجرد صيحة جمالية، بل تحولا فكريا في مفهوم السكن. فبعد عقود من التبشير بالانفتاح والشفافية عبر النوافذ الواسعة والواجهات الزجاجية، باتت العمارة المعاصرة تطرح سؤالا جديدا:
هل نحتاج إلى رؤية الخارج دائما كي نشعر بالراحة؟
الإجابة، كما توحي هذه التصاميم، أن السلام لا يأتي من الانفتاح التام، بل من التحكم في الضوء والمساحة والنظرة. فالمنازل بلا نوافذ لا تعني العزلة، بل تمنح ساكنيها ملاذا بصريا وذهنيا في عالم مزدحم بالعيون والشاشات.










