رغم نفيها المتكرر، تتزايد الأدلة التي تكشف الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في الحرب السودانية منذ اندلاعها في إبريل 2023، حيث تشير تقارير أممية ودولية متطابقة إلى شبكة دعم مالية وعسكرية ولوجستية واسعة تمكّن ميليشيات محمد حمدان دقلو، الملقب بـ”حميدتي”، من الصمود والتوسع على حساب الجيش النظامي.
وقد برز هذا الدور بوضوح بعد سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، بعضها ذو طابع عرقي. وتشير التقارير إلى أن أبوظبي بنت خلال السنوات الماضية شبكة معقدة من التحالفات في المنطقة، تضم فصائل متمردة في تشاد، وقوات خليفة حفتر في ليبيا، مع استخدام موانئ بوصاصو في الصومال وبر برة في أرض الصومال كمراكز لوجستية رئيسية، ممولة من أرباح تجارة الذهب المستخرج من مناجم دارفور.
ووفق صحيفة فايننشال تايمز، قدّم فريق خبراء الأمم المتحدة العام الماضي ما وصفه بـ”أدلة موثوقة” على أن الإمارات زوّدت قوات الدعم السريع بالأسلحة عبر تشاد. كما كشفت تقارير لاحقة عن شحنات من قذائف الهاون المصدّرة من بلغاريا إلى الإمارات وصلت في نهاية المطاف إلى ميليشيات حميدتي. وفي تحقيق لمنظمة العفو الدولية، تبيّن أن أسلحة صينية متطورة – من بينها صواريخ موجهة ومدافع هاون وصواريخ حرارية – أعيد تصديرها من الإمارات إلى السودان، بينما فرضت واشنطن عقوبات على شبكة شركات إماراتية يشتبه في تمويلها وتزويدها قوات الدعم السريع بالمعدات.
وبحسب تقارير متخصصة صادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل ومنظمة PAX الهولندية، شهدت قوات حميدتي طفرة نوعية في تسليحها، شملت طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، تزامناً مع تزايد الرحلات الجوية العسكرية القادمة من الإمارات نحو شرق إفريقيا وشمالها، مروراً بقاعدتها في بوصاصو بالصومال، حيث يجري نقل الأسلحة إلى ليبيا وتشاد ثم إلى السودان عبر جسر جوي منظم. ومنذ أكتوبر الماضي، تم تسجيل أكثر من 68 رحلة شحن عسكري من مطارات إماراتية مثل العين والرفاعة، متجهة إلى قاعدة الخديم شرق ليبيا، قبل أن تتوزع الشحنات عبر الصحراء نحو حدود السودان.
وتشير مصادر ليبية وسودانية إلى أن جزءاً من هذه الإمدادات يُخزَّن في قاعدة معطّن السارة في أقصى الجنوب الليبي، قبل أن يُنقل براً إلى مناطق الدعم السريع داخل المثلث الحدودي. ويُذكر أن وقود هذه القوافل يأتي من حقول النفط الليبية في السرير، حيث يشرف على عملية النقل وسطاء مرتبطون بعائلة دقلو. أما الحماية فتوكل إلى كتيبة “سبل السلام”، وهي وحدة سلفية متمركزة في أجدابيا بقيادة الشيخ عبد الرحمن الزيّوي الكيلاني.
كما سلّم الجيش السوداني في سبتمبر الماضي للأمم المتحدة وثائق تُظهر تورط الإمارات في تجنيد مرتزقة كولومبيين عبر الصومال للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي. وفي المقابل، أظهر مقطع مصور نشره موقع Middle East Eye قوافل وشحنات قادمة من بر برة متجهة إلى إثيوبيا، يُعتقد أنها تُنقل لاحقاً براً إلى السودان لصالح قوات حميدتي.
لكن المحرك الأهم لهذه المنظومة ليس السلاح بل الذهب. فالإمارات باتت الوجهة الأولى للذهب السوداني، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن 97% من صادرات الذهب عام 2024 ذهبت إلى أبوظبي، بقيمة بلغت 1.52 مليار دولار، بينما تُقدّر الكميات المهرّبة – أي غير المدرجة في السجلات الرسمية – بما يعادل 13 مليار دولار سنوياً. ويؤكد تقرير صادر عن Chatham House أن الإمارات تواصل الاستفادة من الذهب القادم من مناطق النزاع في دارفور، في ظل ضعف تطبيق القيود الدولية على استيراد المعادن المستخرجة من مناطق الصراعات.
ويُذكر أن العلاقة بين حميدتي والإمارات توطدت منذ أن أرسل الأخير قواته إلى اليمن للمشاركة في الحرب إلى جانب التحالف الإماراتي-السعودي، في مقابل دعم مالي ولوجستي سخي. وتملك عائلة دقلو عبر شركة “الجنيد” عدداً كبيراً من مناجم الذهب في دارفور، مما يجعلها أحد أهم الموردين غير الرسميين للذهب الإماراتي.
غير أن هذا الارتباط بات عبئاً سياسياً على أبوظبي مع تصاعد الانتقادات الدولية. لذلك، تسعى الإمارات حالياً إلى الظهور كوسيط في الأزمة السودانية. وقد شاركت في البيان الرباعي مع الولايات المتحدة والسعودية ومصر الصادر في 12 سبتمبر الماضي، والذي وضع خطة لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر تمهيداً لتسوية سياسية خلال تسعة أشهر. ورغم الطابع الإنساني المعلن للبيان، فقد تضمّن إشارة واضحة إلى ضرورة منع القوى “المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين” من تحديد مستقبل السودان، في ما يبدو تلميحاً إلى موقف الإمارات المعادي للجماعة منذ تأسيسها.
تعتبر أبوظبي جماعة الإخوان تهديداً لمشروعها الإقليمي القائم على النظام الملكي الوراثي وتركيز السلطة بيد الأسر الحاكمة، لذلك بنت شبكة تحالفات عسكرية وأمنية تمتد من السودان وليبيا إلى اليمن والصومال، تشمل ميليشيات الدعم السريع، والجيش الوطني الليبي، وقوات الحزام الأمني في اليمن، وقوات أرض الصومال، وشرطة بونتلاند البحرية. ووفق Middle East Eye، فإن هذه الشبكة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تتشابك مع مصالح مالية وتجارية ومعلوماتية ضخمة، تجعل من الإمارات مركز إدارة إقليمي لهذه المنظومة.
ما يجري في السودان ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل جزء من حرب نفوذ تدور في الظل بين قوى إقليمية تستخدم الذهب والسلاح لبناء مواقعها الاستراتيجية. الإمارات، التي نجحت في تحويل ثروتها الاقتصادية إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري، تواجه اليوم معضلة أخلاقية وسياسية كبرى: كيف يمكن لدولة صغيرة أن تبني مجدها على أنقاض أمة تنزف؟










