العراق يستعد لانتخابات عامة بمشاركة أكثر من 20 مليون ناخب في 18 دائرة انتخابية وسط تنافس محتدم بين التحالفات الشيعية والسنية والكردية، في وقت يتصدر فيه تحالف محمد شياع السوداني المشهد وتلقي مقاطعة مقتدى الصدر وظلال الحشد الشعبي بظلالها على مستقبل الحكومة والتوازن الأقليمي
بغداد – 10 نوفمبر 2025
تستعدّ العراق غدًا لخوض انتخابات عامة جديدة، ، حيث ستُفتح صناديق الاقتراع عند الساعة السابعة صباحًا، مع أكثر من 20 مليون ناخب موزعين على 18 دائرة انتخابية، و8,703 مركز اقتراع، و39,285 لجنة.
وأفادت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بأن عدد المرشحين بلغ 7,744 مرشحًا، من بينهم 5,496 رجلًا و2,247 امرأة، في حين أن نسبة المرشحين دون سن الأربعين تصل إلى 40 في المئة.
وسيتم انتخاب 329 نائبًا لمجلس النواب وفق نظام المحاصصة الذي أُقرّ عام 2006 ، والذي يقضي بتوزيع المناصب العليا على أسس طائفية وعرقية: رئاسة الوزراء للأحزاب الشيعية، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة البرلمان للسنة.
مؤشرات أولية وحسابات دقيقة
ستكتمل الصورة غدًا مع افتتاح صناديق الاقتراع، غير أن التقديرات الأولية المبنية على تصويت الفئات الخاصة – من العسكريين وقوات الأمن والسجناء والنازحين – ترسم بالفعل ملامح أولية لانتخابات حاسمة في موازين القوى بين الكتل الشيعية والسنية والكردية وفي تشكيل الحكومة الاتحادية المقبلة.
وقد نشر المعهد المستقل للدراسات تقديرات أولية بناءً على البيانات التي جُمعت حتى 8 نوفمبر، باستخدام نموذج إحصائي يدمج الاتجاهات الانتخابية العراقية منذ عام 2005 مع طريقة سانت لاغ لتوزيع المقاعد.
وتُقدّر نسبة المشاركة الوطنية بين 30 و40 في المئة من الناخبين الذين يمتلكون بطاقات بيومترية، وهي نسبة يُعتقد أنها مرتفعة مقارنة بالمشاركة الفعلية بين جميع المؤهلين للتصويت.
القوى المتصدرة في السباق
وفقًا للتقديرات، يتصدر تحالف البناء والتنمية – وهو تحالف شيعي مقرب من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ويمثل الجناح المؤسسي والبراغماتي داخل المعسكر الشيعي – بنحو 29 في المئة من المقاعد المتوقعة في المناطق العربية.
ويليه حزب التقدم (تقدّم)، القوة السنية الرئيسية بقيادة محمد الحلبوسي والمتركزة في المحافظات الغربية، بنسبة تقارب 14 في المئة، ثم ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي يمثل التيار التقليدي والمركزي في المعسكر الشيعي، بنسبة تقارب 11 في المئة.
أما تحالف صادقون، الجناح السياسي لجماعة عصائب أهل الحق والمقرّبة من إيران، فيُقدّر حصوله على نحو 6 في المئة، خاصة في المحافظات الجنوبية.
بينما تحالفتا العزم والإصرار والتحالف الحاسم – اللتان تمثلان التيار السني المعتدل والوطني – قد تحصلان على ما بين 2.5 و4 في المئة من الأصوات.
في حين تتوزع 19 في المئة من المقاعد المتبقية بين القوائم الصغيرة والمستقلين، ويبقى نحو 10 في المئة من الناخبين في خانة المترددين.
مشهد انتخابي متنوع جغرافيًا
تختلف المنافسة من محافظة إلى أخرى
- في بغداد يتقدم تحالف البناء والتنمية،
- وفي نينوى تبدو المنافسة شديدة التقارب،
- بينما تتصدر قائمة ديزاين في البصرة تليها صادقون،
- وفي الأنبار السنية يتصدر تحالف التقدم تليه العزم.
وتُسجَّل أعلى معدلات العزوف في المحافظات الوسطى والجنوبية، في حين قد تتجاوز نسبة المشاركة 50 في المئة في نينوى وصلاح الدين والأنبار.
نظام انتخابي جديد قائم على التمثيل النسبي
ستُجرى الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي، حيث تُعد كل محافظة دائرة انتخابية واحدة (18 دائرة في المجموع).
وبموجب النظام الجديد، لم يعد التصويت موجهًا لشخص واحد بل لقائمة حزبية.
يُعاد توزيع الأصوات بما يتناسب مع نسب التصويت على مستوى المحافظة باستخدام طريقة سانت لاغ، التي تقوم على تقسيم عدد أصوات كل قائمة على سلسلة أرقام متتابعة لتحديد ترتيب الفائزين بالمقاعد بحسب أعلى المتوسطات حتى استنفادها.
السوداني في الصدارة وسط انقسام شيعي
يتصدر رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني قائمة تحالف البناء والتنمية، الذي يضم سبع قوى سياسية من أبرزها:
• فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي،
• أحمد الأسدي، وزير العمل،
• نصيف الخطابي، محافظ كربلاء.
وتُعتبر بغداد المعقل الانتخابي الرئيسي للسوداني الذي يتوقع أن يحقق فيها أكبر عدد من الأصوات.
لكن قوى الإطار التنسيقي الشيعي، التي اختارته لرئاسة الوزراء عام 2022، أكدت أن إعادة انتخابه ليست أولوية.
فقد صرّح قيس الخزعلي، زعيم حركة صادقون وقائد ميليشيا عصائب أهل الحق (المدرجة على القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية الأجنبية)، أن التجديد للسوداني “يخضع لقرار الإطار التنسيقي” وأن المنصب يجب أن يكون قائمًا على “التوافق الشيعي”.
كما قال نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، إنه ليس شرطًا أن يصبح رئيس الوزراء هو من يفوز بأكبر عدد من المقاعد.
مقاطعة مقتدى الصدر وتأثيرها على الشرعية
قرر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، مقاطعة الانتخابات، معتبرًا أن المشاركة فيها “تغذي نظامًا فاسدًا”.
وبحسب مصادر محلية، فإن هذه المقاطعة قد تؤثر على شرعية الانتخابات، إذ يُخشى ألا تتجاوز نسبة المشاركة 50 في المئة.
وكان الصدر قد انسحب من البرلمان في أكتوبر 2022 بعد فشل كتلته في تشكيل حكومة، وهو ما سمح للإطار التنسيقي بتعيين محمد شياع السوداني رئيسًا للوزراء.
ملف الحشد الشعبي والضغوط الأميركية
من القضايا الحساسة في المشهد الانتخابي مسألة سلاح الحشد الشعبي، الذي تعتبره واشنطن ذراعًا لإيران داخل العراق.
وقال المبعوث الأميركي إلى بغداد مارك سافايا إن بلاده “لن تقبل بمستقبل تُهيمن فيه قوات الحشد على سيادة بغداد”، مؤكدًا رغبة واشنطن في رؤية عراق “مستقل وخالٍ من الميليشيات الأجنبية”.
وردّ المتحدث باسم كتائب حزب الله، وهي ميليشيا شيعية موالية لإيران ومشمولة بالعقوبات الأميركية، قائلًا: “أسلحتنا ستبقى في أيدينا”، مؤكدًا أن “الشيعة هم أصحاب الوصاية على العراق وسلاحهم شرعي”، وذلك خلال تجمع لحركة حقوق، الجناح السياسي للميليشيا.
سيناريوهات ما بعد الانتخابات
يبقى مستقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مرتبطًا بنتائج صناديق الاقتراع.
ففي حال حقق تحالفه نتائج تتجاوز الـ29 في المئة، قد يسعى إلى الابتعاد عن هيمنة الإطار التنسيقي الشيعي وتشكيل أغلبية جديدة بدعم القوى السنية والكردية والمستقلة.
أما إذا جاءت النتائج أقل من التوقعات، فسيضطر إلى التفاوض مع الإطار مجددًا لتأمين قاعدة برلمانية مستقرة.
توازن خارجي دقيق بين واشنطن وطهران
منذ الغزو الأميركي عام 2003، تعتمد السياسة الخارجية العراقية على نهج يعرف بـ “التحوط الاستراتيجي”، أي الموازنة بين الولايات المتحدة وإيران بما يحفظ مصالح بغداد دون الانحياز لأي طرف.
هذا الغموض المتعمد شكّل جوهر السياسة الدبلوماسية العراقية، حيث تسعى بغداد إلى تحويل ضعفها النسبي إلى ميزة تفاوضية في مواجهة القوتين المتنافستين.
لكن في حال نجح السوداني في تشكيل حكومة برلمانية دون دعم الإطار الشيعي – وبالتالي دون غطاء إيراني – فسيعني ذلك تراجع نفوذ طهران في بغداد، ما قد يدفع إيران إلى تشجيع تمرّد الميليشيات التابعة لها بهدف زعزعة الاستقرار وتقويض شرعية الحكومة الجديدة.











