أعربت وزارة الخارجية السودانية عن ترحيبها العميق بالقرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 13 نوفمبر 2025، والذي أدان بصورة واضحة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها في مدينة الفاشر ومحيطها.
ويُعد هذا القرار خطوة محورية في توثيق الفظائع التي شهدتها المنطقة، بما في ذلك القتل على أساس الهوية العرقية، والتعذيب، والإعدامات خارج نطاق القانون، والاحتجاز التعسفي، والتجنيد القسري، واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب.
مجازر الفاشر
جاء القرار عقب جلسة خاصة عقدها المجلس في جنيف لبحث التصاعد الخطير للعنف في شمال دارفور، بعد سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الفاشر نهاية أكتوبر الماضي. وقد أكد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك خلال الجلسة أن ما يحدث في الفاشر يمثل “وصمة عار في ضمير الإنسانية”، محذراً من مخاطر جدية لوقوع إبادة جماعية إذا لم يتم التدخل بصورة عاجلة.
يدعو القرار إلى تشكيل بعثة مستقلة لتقصي الحقائق للتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم وفق القانون الدولي.
الوضع الميداني في الفاشر
شهدت الفاشر تصعيداً غير مسبوق بعد هجوم واسع شنّته قوات الدعم السريع أواخر أكتوبر 2025، مما أدى إلى سيطرتها على أجزاء كبيرة من المدينة. وتوثّق تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومركز القاهرة دراساتٍ لعمليات قتل جماعي استهدفت أفراداً من قبائل غير عربية، إلى جانب تعذيب منهجي وإعدامات ميدانية.
كما سجلت التقارير حالات تجنيد قسري للأطفال والشباب، واستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي لترهيب السكان، ما تسبب في نزوح داخلي لأكثر من 300 ألف شخص وإغلاق الطرق الرئيسية أمام الإغاثة الإنسانية.
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق النزاع الأوسع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، حيث تُعد الفاشر آخر معاقل الجيش بدارفور، وسقوطها يشكل تهديداً لمستقبل وحدة السودان.
تقدير السودان لتأكيد السيادة ووحدة الأراضي
ثمّنت وزارة الخارجية تضمين القرار تأكيداً قوياً على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات لإنشاء سلطات موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وترى الحكومة أن هذا الموقف يعكس تضامناً دولياً ثابتاً مع الشعب السوداني في مواجهة محاولات تفكيك الدولة.
كما أدان القرار التدخلات الخارجية التي تسهم في تأجيج النزاع، داعياً إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وحماية المدنيين وفق القانون الدولي.
موقف السودان من الآليات الدولية محل الخلاف
جدّدت الوزارة رفضها لمحاولات إدراج آليات تحقيق جديدة دون تنسيق مع المؤسسات الوطنية، معتبرة ذلك تجاوزاً للسيادة واستخداماً سياسياً لملف حقوق الإنسان. وفي المقابل، أكدت التزام الحكومة بالتعاون مع الآليات القائمة، مثل المكتب القطري للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان، بهدف تمكينها من أداء مهامها وتعزيز حماية المدنيين وضمان إنصاف الضحايا.
السياق الدولي والإقليمي للقرار
صدر القرار في ظل مخاوف من امتداد النزاع السوداني إقليمياً إلى دول مثل تشاد وجنوب السودان وليبيا. وقد تقدّمت بريطانيا وأيرلندا بمسودة القرار بدعم من منظمات حقوقية دولية، بينما تحفظت بعض الدول الأفريقية والعربية على توسيع آليات التحقيق.
على الصعيد الإنساني، بلغ عدد القتلى منذ اندلاع النزاع أكثر من 20 ألف شخص، فيما ارتفع عدد النازحين إلى نحو 10 ملايين، ما يجعل الأزمة السودانية الأكبر من نوعها عالمياً. ويطالب القرار بتسهيل إيصال المساعدات للفاشر ومشاركة المعلومات ذات الصلة مع المحكمة الجنائية الدولية.
التداعيات والآفاق المستقبلية
ترى الحكومة السودانية في هذا القرار اعترافاً دولياً بجرائم قوات الدعم السريع، وفرصة لتعزيز جهود العدالة، رغم احتمال زيادة الضغوط المتعلقة بالتحقيقات المستقلة. وتؤكد الخارجية أن التعاون مع الآليات الموجودة على الأرض سيضمن توثيقاً موضوعياً ومحايداً، مع الحفاظ على السيادة ورفض أي آليات تُفرض من خارج السياق الوطني.
ختاماً، يعكس البيان السوداني توازناً دقيقاً بين الترحيب بالإدانة الدولية للانتهاكات والدفاع عن سيادة الدولة، في وقت تتطلع فيه الأطراف الدولية إلى تنفيذ القرار وتأثيره المحتمل على فرص إحلال السلام وتحقيق الاستقرار في السودان.











