خلافات ليبية حول اتفاق أميركي لتوزيع عائدات النفط
طرابلس، 21 نوفمبر 2025 – أعلنت المؤسسات الليبية في طرابلس عن إنشاء “السلطة العليا للرئاسات”، ما أثار رداً فورياً من بنغازي التي اعتبرت هذه الخطوة “باطلة وغير دستورية”. في الوقت نفسه، كشفت التحركات الخارجية لأبناء المشير خليفة حفتر – بين موسكو وأنقرة وباريس – عن وجود منافسة سياسية متجذرة ومستقرة بين الشرق والغرب الليبي.
في خلفية الأزمة، يبرز الاتفاق الأميركي المعروف بـ “برنامج التنمية المشتركة”، الذي يهدف إلى تنظيم توزيع الأموال الناتجة عن عائدات النفط، والذي ظل محاطاً بالغموض والتحفظ. هذا الاتفاق أشعل الشكوك والتوتر بين قطبي السلطة الليبية، الذين ما زالوا يتقاسمون ما تبقى من النظام السياسي بعد سقوط نظام القذافي. وفي هذا السياق، جمعت وكالة “أجنسيا نوفا” آراء ثلاثة من أبرز الخبراء في الشأن الليبي – كلاوديا غاتسيني (Icg)، طارق ميغريسي (Ecfr) وجليل حرشوي – لتحليل أزمة تجاوزت الطابع المؤسسي ووصلت إلى شفا الانفجار.
الخطوة المعلنة في طرابلس تهدف رسمياً إلى تأسيس تنسيق دائم بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة. لكن بنغازي رفضت المبادرة تماماً، مؤكدة أن صلاحية إنشاء هيئات سيادية جديدة تعود حصرياً إلى مجلس النواب. هذا النزاع يعيد ليبيا إلى حالتها المعروفة خلال السنوات الماضية: حكومتان، مركزان للقرار، وغياب أي مسار سياسي مشترك رغم ضغوط الأمم المتحدة.
تعقدت الصورة أكثر بسبب تحركات أسرة حفتر على الساحة الدولية: فقد التقى سعد حفتر في أنقرة وزير الدفاع يشار جولر ووزير الخارجية هاكان فيدان، بينما التقى بلقاسم حفتر في موسكو وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فيما حضر خالد حفتر في باريس، مع رجل الأعمال مصراتي محمد رايد، توقيع مذكرة تفاهم بين الهيئة الوطنية للتنمية، المرتبطة ببرقة، وBusiness France. وفي برقة، يترقب الجميع زيارة محتملة لكاليد حفتر، رئيس الأركان العامة للجيش الوطني الليبي إلى إيطاليا. على الأرض، يعيد الشرق ربط علاقاته القبلية في مناطق حساسة حول العاصمة، مثل ترهونة وبني وليد وزنتان وزاوية، في محاولة لبناء حزام نفوذ سياسي-قبلي يوازي، وأحياناً يحل محل، الصراع المؤسسي.
ترى كلاوديا غاتسيني، المحللة العليا في International Crisis Group، أن الصراع بين الشرق والغرب شكلي أكثر من كونه جوهرياً. وتصف السلطة الجديدة بأنها “إجراء شكلي ضمن سيناريو مسرحي”، حيث تتخلله المناورات والاعتراضات، فيما تسود منطق الاتفاقات الخفية: “الطرفان يتفقان خلف الكواليس ويوقعان الاتفاقات، هذه هي الحقيقة”. وتشير إلى اتفاق مالي سري بين الشرق والغرب بقيمة 20 مليار دينار ليبي (حوالي 5 مليارات يورو) تم التفاوض عليه بواسطة سعد حفتر وإبراهيم الدبيبة، قبل تقديمه للبرلمان والمجلس الأعلى كأمر واقع. وتوضح غاتسيني أن التمثيل المؤسسي كان مجرد “تمثيلية” لحفظ التوازن القائم، ما يخدم مصالح القوى الحقيقية على حساب المواطنين الليبيين.
وتشير غاتسيني أيضاً إلى دور الولايات المتحدة المتزايد، خاصة في تعزيز التعاون الأمني بمنطقة سرت، حيث أعلنت أفريكوم عن تمرين “فلينتلوك 2026” بمشاركة قوات من الشرق والغرب، وتضيف أن خطاب حفتر الأخير للزعماء القبليين يحمل في طياته “دعوة غير مباشرة لدعمه في ترشيح رئاسي مستقبلي”.
ويعتبر طارق ميغريسي، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن جذور الأزمة اقتصادية أكثر من كونها مؤسساتية. إذ فشلت عملية تأسيس السلطة الجديدة بالتزامن مع الاتفاق المالي الأميركي، بعد أن انسحب سعد حفتر في اللحظة الأخيرة، مؤكداً أن تقسيم الإيرادات النفطية بنسبة 50-50 “غير عادل”، وأن برقة تستحق حصة أكبر. ومنذ ذلك الحين، بدأت بنغازي تعزيز وجودها في ترهونة وزنتان وغيرها للضغط على طرابلس، بينما تعتمد طرابلس على علاقتها مع واشنطن لتقوية موقفها. ورغم هذه المناورات، يرى ميغريسي أن الطرفين يظلان ضعيفين كما كانوا دائماً، وأن السلطة الجديدة ما هي إلا محاولة من الدبيبة للحفاظ على التماسك في الغرب وضم المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة لصالح حكومته.
أما جليل حرشوي، المحلل المستقل، فيحدد ثلاث ديناميكيات رئيسية: الأولى تتعلق بدور تركيا، التي تحاول حماية ميليشيا رادا في طرابلس مع مواصلة جذب أسرة حفتر، ما يخلق ضغطاً سياسياً على العاصمة. الثانية تتعلق بالتدخل الأميركي في الاتفاق المالي، الذي وصفه بضعيف وغير شفاف ويميل لصالح حفتر في الوصول إلى أموال إعادة الإعمار عبر البنك المركزي. الثالثة تخص الأمم المتحدة، التي تواصل الترويج لفكرة حكومة موحدة، مما يضاعف الضغط على الدبيبة لتقوية تحالفه مع رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى. وتؤكد حرشوي أن المبادرة الثلاثية في طرابلس تهدف لإظهار أن الدبيبة لا ينوي التخلي عن السلطة في المستقبل القريب.
مصادر مطلعة رأت في هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية لابتزاز الشرق وضغط الأمم المتحدة، فيما أعرب آخرون عن شكوك حول قوة وتماسك أسرة حفتر، مؤكدين أن طرابلس تحاول الظهور كقطب مؤسسي منظم بينما بنغازي تطالب بحصة أكبر من العائدات النفطية وتكثف تحركاتها الدبلوماسية، وسط تدخلات دولية تشمل الولايات المتحدة وتركيا من جهة، وروسيا والإمارات من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، لا تزال ليبيا عالقة بين حكومتين وكنز نفطي واحد دون أي خارطة طريق مشتركة، في حلقة مستمرة من الأزمات السياسية التي تتغير أسماؤها دون تغيير الواقع، وفق قول الخبراء: “لكي يبقى كل شيء على ما هو عليه، يجب أن يتغير كل شيء”.











