في خطوة تعكس التباين في سياسات استرداد التراث، قامت ألمانيا مؤخراً بإعادة 12 قطعة أثرية ملكية لإثيوبيا بعد نحو قرن من الاحتفاظ بها داخل متاحف ومجموعات خاصة ألمانية، بينما رفضت في الوقت ذاته الاستجابة لمطالب مصرية مستمرة منذ عقود بإعادة تمثال نفرتيتي الشهير المعروض حالياً في متحف نيوس ببرلين
نظمت ألمانيا حفلاً رسمياً بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا لإعادة 12 قطعة أثرية ملكية نادرة تضم تيجاناً وسيوفاً ومخطوطات تعود لعصر الإمبراطور هيلا سيلاسي، في خطوة وصفها مسؤولون إثيوبيون بأنها “حدث بارز في إعادة الاعتبار لوطنية التراث المنهوب”
هذه القطع كانت ضمن مقتنيات تم جمعها خلال ثلاثينيات القرن الماضي على يد دبلوماسيين ألمان ثم احتفظت بها عائلة ألمانية لنحو مئة عام
. ورحبت الخارجية الألمانية والإثيوبية بهذه الخطوة كنوع من الاعتذار الرمزي عن المظالم الاستعمارية وحافز لدعم العلاقات الثقافية بين البلدين.رفض صريح للمطالب المصريةفي المقابل، شهدت الأسابيع الماضية تجدد التوتر بين ألمانيا ومصر بعد أن رفضت برلين مجدداً مطالب القاهرة باستعادة رأس تمثال الملكة نفرتيتي الأثري، رغم الضغوط الدبلوماسية وحملات إعلامية وحقوقية واسعة من الجانب المصري
. وبررت ألمانيا رفضها بأن تمثال نفرتيتي أحد أهم مقتنيات متحف برلين ولا يمكن نقله بسبب هشاشته وقيمته العالمية، كما ذكّر مسؤولون ألمان بأن الاتفاق التاريخي حول نقل التمثال تم بشكل قانوني في مطلع القرن العشرين
.من جهتها تؤكد السلطات المصرية أن نفرتيتي أصبح “رمزاً للسيطرة الرمزية على تاريخ وحضارة المصريين”، وتصر على أن التمثال خرج بطرق “غير مشروعة وبقدر من الخداع” ويجب أن يعود إلى القاهرة ليمثل الشعب المصري تاريخياً ومعنوياً
. كان المجلس الأعلى للآثار أرسل طلباً رسمياً باستعادة القطعة الأثرية وسط دعم من كبار المسؤولين بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الثقافة المصري، غير أن وزارة الخارجية الألمانية أعلنت أن الطلب “غير رسمي” وأنها ستمضي في رفض أي مطالبة جديدة
.تبريرات وانتقادات متزايدةيواجه الموقف الألماني انتقادات لاذعة من نشطاء الثقافة ومحللين دوليين، لا سيما مع تزايد الاتجاه الأوروبي نحو إعادة قطع أثرية لدول إفريقية أخرى مثل نيجيريا والكونغو مما جعل سياسة “انتقائية الإعادة” موضع تساؤل حول معايير العدالة والمساواة الثقافية
. تعتبر بعض المنظمات الحقوقية إعادة الكنوز الإثيوبية نجاحًا مؤقتًا لا يكتمل إلا بمراجعة ملفات جميع القطع الإفريقية الكبرى – خاصة المصرية – المنهوبة أو المرحّلة بطرق ملتوية إبان العهد الاستعماري.
مستقبل ملف الآثار المصرية بالخارج
لا تزال مصر تصر على مواصلة جهودها الدبلوماسية وتكثيف الحملات الإعلامية لإعادة آثارها خصوصاً الرموز الكبرى كتمثال نفرتيتي وحجر رشيد وكنوز توت عنخ آمون من متاحف أوروبا، فيما تراهن الحكومة المصرية على تنويع الأدوات القانونية والتفاوضية مع شراكتها في المؤسسات الدولية مثل اليونسكو لاستعادة تراثها التاريخي
.بين التقدير لما فعلته ألمانيا تجاه إثيوبيا والمرارة من تجاهل الملف المصري، يبقى ملف الآثار العائدة والمعروضة في المتاحف العالمية واحدًا من أعقد القضايا الأخلاقية والدبلوماسية لميدان التراث العالمي في القرن الحادي والعشرين










