طرحت لبنان عرضًا مفاجئًا للدخول في مفاوضات تهدف لوقف الضربات الإسرائيلية واستعادة خمس تلال حدودية لا تزال تحت الاحتلال منذ حرب العام الماضي، في وقت تتصاعد فيه الغارات على الجنوب ويزداد التوتر على خطوط التماس. خطوة تفتح بابًا سياسيًا جديدًا وسط تساؤلات حول استعداد إسرائيل لأي تهدئة فعلية.
في خطوة تعكس تحولًا في خطاب بيروت تجاه التصعيد المتواصل، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون استعداد بلاده للدخول في مفاوضات قد تفضي إلى انسحاب إسرائيلي من خمس تلال حدودية لا تزال محتلة منذ انتهاء حرب إسرائيل–حزب الله العام الماضي.
عون، وفي كلمة متلفزة بمناسبة عيد الاستقلال، أكد أن الجيش اللبناني “مستعد للانتشار فورًا” في أي موقع تنسحب منه القوات الإسرائيلية، في محاولة لفرض معادلة دولة بجيشها على الحدود الجنوبية، بدلًا من المشهد العسكري الحالي الذي يختزل السيادة في خطوط تماس ساخنة يحكمها ميزان الردع لا القانون.
إسرائيل.. صمتٌ يُوحى بعدم القبول
حتى اللحظة، لم تُظهر تل أبيب أي مؤشر قبول. فالعرض اللبناني يأتي في ذروة تصعيد إسرائيلي متواصل اخترق هدنة متفقًا عليها، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول مدى جدية إسرائيل في أي خطوة تخفّف منسوب الاحتقان جنوبًا.
بل أكثر من ذلك، شنّت إسرائيل الثلاثاء الماضي غارة على مخيم عين الحلوة للاجئين قرب صيدا، أسفرت عن 13 قتيلًا، في الهجوم الأعنف منذ بدء الهدنة قبل نحو عام، ما يضع العرض اللبناني أمام واقع ميداني أكثر تعقيدًا.
مفاوضات.. لكن تحت أي سقف؟
عون لم يحسم طبيعة المحادثات — مباشرة أم غير مباشرة — مكتفيًا بالقول إن الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو أي جهة دولية يمكن أن ترعى هذه العملية. كما اقترح أن تتولى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، التي تضم واشنطن وباريس وتل أبيب وبيروت و”اليونيفيل”، التحقق من أن انتشار القوى اللبنانية هو وحده القائم على الحدود.
ذاكرة الحرب لا تزال مفتوحة
لبنان ما زال تحت وطأة حرب 2023، التي أطلقتها إسرائيل في 8 أكتوبر واستمرت شهرين من القصف الكثيف قبل التوغل البري. الحرب خلّفت أكثر من 4,000 قتيل بينهم مئات المدنيين، ودمارًا قُدّر بنحو 11 مليار دولار وفق البنك الدولي — أرقام تثقل أي نقاش حول مستقبل الجنوب.
مفارقة اللحظة السياسية
العرض اللبناني ليس مجرد مبادرة تقنية لترسيم انتشار عسكري؛ بل محاولة لإعادة الإمساك بالحدود بعدما تحوّل الجنوب إلى ساحة اختبار دائم بين إسرائيل وحزب الله. إلا أن السؤال الجوهري يبقى:
هل تريد إسرائيل تهدئة حقيقية، أم أنها تفضّل استمرار النار المنضبطة التي تُبقي لبنان في دائرة الاستنزاف؟










