أثار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مؤخراً خطة طموحة لنقل العاصمة الإيرانية من طهران إلى جنوب البلاد، لتكون أقرب إلى الخليج العربي، مبرراً ذلك بأن الوضع الحالي يعيق التنمية الوطنية ويعرض البلاد لمخاطر كارثية. يهدف هذا التقرير إلى استكشاف الأسباب الرئيسية وراء هذا القرار وتقييم مدى فعاليته المرجوة في ظل التحديات الهائلة التي تكتنف تنفيذه.
طهران.. تحديات حضرية ومخاطر كارثية لا تُحل
تُعتبر طهران، عاصمة إيران منذ عام 1786، المركز الإداري والاقتصادي الأكبر في البلاد، لكنها تواجه أزمة حضرية غير مسبوقة يرى بزشكيان أنها “لا حل لها إلا بالنقل”.
التحديات الرئيسية:
الاكتظاظ السكاني: يبلغ عدد سكان طهران الكبرى 17 مليون نسمة، مما يجعلها ثاني أكبر منطقة حضرية في الشرق الأوسط. ونتيجة لتدفق المهاجرين بحثاً عن العمل، تجاوز عدد سكان المدينة قدرة بنيتها التحتية بأكثر من 70%، وفقاً للجمعية العلمية الإيرانية للاقتصاد الحضري.
التلوث البيئي: تعاني المدينة من تلوث هواء مزمن، حيث صرح عضو لجنة البيئة البرلمانية بأن أكثر من 4000 شخص يموتون سنوياً في طهران بسبب الأمراض الناجمة عن هذا التلوث.
المخاطر الجيولوجية: بالرغم من أن طهران لم تشهد زلزالاً كبيراً منذ عام 1830، يحذر علماء الزلازل من وجود صدع كبير يمتد على طول سفوح جبال البرز. وتشير التقديرات إلى أن زلزالاً قوياً قد يؤدي إلى مقتل أكثر من 700 ألف شخص في المدينة التي تقع على عدة خطوط صدع زلزالية.
مشكلات الخدمات: تعاني المدينة أيضاً من شحّ المياه، وهبوط التربة، وصعوبة التخلص من النفايات.
المنطق الاقتصادي: النقل ضرورة للتنافسية
شدد الرئيس بزشكيان على أن المنطق الاقتصادي يفرض النقل، موضحاً أن المركزية الحالية تخنق التنمية:
قال بزشكيان: “من المستحيل تنمية البلاد مع استمرار التوجه الحالي. إذا واصلنا جلب الموارد من الجنوب والبحر إلى طهران، وتحويلها إلى منتجات، ثم إعادتها جنوباً للتصدير… هذا الوضع يقلل بشكل خطير من قدرتنا التنافسية”.
تنتج طهران، التي يقطنها 11% من سكان البلاد، 25% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يتم على حساب المدن الإقليمية التي تعاني من ارتفاع في معدلات البطالة، وهو ما يدعم الدعوة إلى اللامركزية ونقل المركز الاقتصادي والسياسي إلى الجنوب، أقرب إلى البحر.
- تحديات التنفيذ والكلفة الباهظة
يُقر الرئيس بزشكيان بأن عملية النقل يجب أن تكون تدريجية، حيث تبدأ الحكومة بـ “أن تكون قدوة” عبر نقل المؤسسات الحكومية. لكن التحدي الأكبر يكمن في التكلفة والمدة الزمنية:
التكلفة والمدة: تُقدر تكلفة المشروع بما لا يقل عن 10 مليارات دولار أمريكي، مع توقعات بأن تتراوح مدة التنفيذ بين 15 إلى 25 عاماً، خاصة في ظل انخفاض عائدات النفط والعقوبات الغربية.
المسار القانوني: يتطلب النقل إقراراً من البرلمان وموافقة مجلس صيانة الدستور، بعد دراسة الجدوى من قبل فريق بحثي خاص.
معارضة وخيارات بديلة: تحدي التخلي عن طهران
إن اقتراح نقل العاصمة ليس جديداً، حيث ظهرت الفكرة قبل الثورة الإسلامية وتكررت خلال رئاسات سابقة، لكنها واجهت دائماً مقاومة قوية.
الشكوك والبدائل: عبّر مسؤولون سابقون، مثل غلام حسين كرباشي (عمدة طهران في التسعينيات)، عن شكوكهم، محذراً من أن النقل قد ينتهي بـ “مدينتين إشكاليتين” بدلاً من حل المشكلة.
اقتراح الفيدرالية الإدارية: يقترح كرباشي بديلاً يتمثل في الفيدرالية الإدارية وإعادة توزيع الوكالات والمؤسسات الحكومية البالغ عددها 160 منظمة على المحافظات الأخرى، لتخفيف العبء عن طهران وخلق ظروف للتنمية في مختلف المناطق.
ترميم طهران: يرى العديد من الخبراء أنه من “الأكثر حكمة” تخصيص الموارد لتحديث البنية التحتية القديمة وغير الفعالة في طهران وتعزيز المباني ضد الزلازل، بدلاً من تكبد تكاليف النقل الباهظة.
يبقى مصير دعوة بزشكيان معلقاً، في انتظار ما إذا كانت ستكتسب الدعم الكافي لتجاوز الجدل المستمر منذ عقود حول كيفية حل الأزمة المزمنة التي تواجهها طهران.










