أثار منشور نشره مركز ياد فاشيم الإسرائيلي على منصة X موجة غضب واسعة في بولندا، وأعاد إلى السطح توتراً قديماً بين البلدين حول اللغة المستخدمة في توصيف جرائم الهولوكوست ودور الأراضي البولندية خلال الحرب العالمية الثانية.
وأشار المنشور إلى أن “بولندا كانت أول دولة يُجبر فيها اليهود على ارتداء شارة تمييز تعزلهم عن باقي السكان”، ما دفع مسؤولين كباراً في بولندا إلى الرد بقوة، معتبرين أن المؤسسة الإسرائيلية أغفلت حقيقة الاحتلال النازي وأعادت إنتاج سرديات تُحمّل بولندا مسؤوليات لم تتحملها.
ردود رسمية واستدعاء للتصحيح
علق وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي مباشرة تحت المنشور قائلاً:
“يرجى التوضيح بأن المقصود هو بولندا المحتلة من ألمانيا.”
كما استشهد المتحدث باسم الخارجية البولندية ماشيي فيفيوزر بمنشور كامل من متحف أوشفيتز–بيركيناو جاء فيه:
“إذا كان هناك طرف يجب أن يعرف الحقائق التاريخية، فهو ياد فاشيم. كان ينبغي أن يكونوا واعين تماماً بأن بولندا كانت تحت الاحتلال الألماني، وأن ألمانيا هي التي شرّعت هذه القوانين المعادية لليهود وطبّقتها.”
وجاء الرد الأقوى من النائب في البرلمان الأوروبي أركاديوس مولارتشيك، الذي قال إن محاولة طمس الحقيقة غير مقبولة، مضيفاً:
“بولندا كانت أول ضحية في الحرب العالمية الثانية، وليست شريكاً في الجرائم. الهولوكوست جريمة ألمانية، وهذه حقيقة غير قابلة للمساومة أو لإعادة التأويل.”
ورغم أن ياد فاشيم نشر لاحقاً توضيحاً جديداً أكد فيه أن الإجراء فُرض من قبل السلطات الألمانية، إلا أن الجدل لم يتوقف. مسؤولون بولنديون – بينهم نائب رئيس الوزراء – اعتبروا أن المنشور الجديد لا يزال ناقصاً، وأن الصياغة يجب أن تذكر بوضوح “بولندا المحتلة” أو “السلطات الألمانية المحتلة”.

جذور الخلاف: الذاكرة التاريخية وحدود الخطاب
الخلاف ليس جديداً، فطوال نحو عقد تتجدد المواجهات السياسية والإعلامية بين بولندا وإسرائيل حول توصيف الجرائم النازية على الأراضي البولندية. وتشدد وارسو على أن الدولة البولندية فقدت سيادتها بالكامل بعد الغزو النازي عام 1939، وأن أي قوانين أو إجراءات ضد اليهود كانت ألمانية وليست “بولندية”.
ولا يزال صدى أزمة “قانون الهولوكوست” لعام 2018 حاضراً، حين حاولت الحكومة البولندية آنذاك تجريم الإشارات إلى تورط بولنديين في جرائم النازية، ما فجّر عاصفة دبلوماسية مع إسرائيل. كما يضاف إلى التوتر الراهن ملف مقتل عامل الإغاثة البولندي داميان سوبول في غزة العام الماضي، والذي أثار اتهامات بولندية لإسرائيل بالمماطلة في التحقيق وعدم التعاون.
صراع على سردية التاريخ
الجدل الأخير يتجاوز مجرد تصحيح لغوي؛ فهو يعكس صراعاً عميقاً حول الذاكرة الجماعية وهوية الضحايا والجلادين، وكيفية تقديم رواية الحرب العالمية الثانية للأجيال الجديدة. بينما ترفض بولندا أي إيحاء بدور “بولندي” في جرائم الهولوكوست، ترى إسرائيل أن الدقة التاريخية وذكر تفاصيل الاحتلال لا تتعارض مع حفظ ذاكرة المأساة.
مع كل أزمة جديدة، يبدو أن الجرح التاريخي بين البلدين لا يزال مفتوحاً، وينتظر صياغة خطاب مشترك يرضي الطرفين ويُنهي صراعاً مستمراً حول الماضي.










