أنقرة – 26 نوفمبر 2025
يستعد البابا ليو الرابع عشر للقيام بزيارة رسمية إلى تركيا في 27 نوفمبر الجاري، إحياءً للذكرى الـ1700 لإنشاء مجمع نيقية الأول، في حدث يُتوقع أن يستقطب اهتمامًا عالميًا كبيرًا نظرًا لما يحمله من أبعاد دينية وسياسية وتاريخية.
وتعد الزيارة، وهي الأولى للبابا خارج الفاتيكان منذ انتخابه، خطوة ذات دلالات رمزية وسياسية وروحية بالغة، تجمع بين الاحتفاء بالإرث المسيحي القديم في الأناضول وتعزيز العلاقات بين تركيا والكنيسة الكاثوليكية، إلى جانب إعادة إحياء الحوار بين الكنائس ذات الجذور التاريخية المشتركة ويصفها مراقبون بأنها «زيارة ستُكتب في التاريخ» — زيارة تعيد وضع الأناضول في قلب الحكاية المسيحية العالمية.
وتأتى الزيارة لإحياء الذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية الأول، أحد أهم المحطات في تاريخ المسيحية. زيارة تحمل ما هو أبعد من طابع ديني بروتوكولي، فهي تجمع بين اللاهوت والذاكرة والدبلوماسية والهوية، مُسلّطة الضوء على حقيقة كثيراً ما تُهمَل: أن جذور المسيحية الأولى نبتت في قلب الأناضول قبل أن تمتد إلى الغرب والعالم.
وتشمل الزيارة محادثات مع المسؤولين الأتراك في العاصمة أنقرة، بالإضافة إلى إقامة قداس احتفالي ضخم في مدينة إزنيق (نيقية التاريخية)، التي احتضنت المجمع الكنسي الأول عام 325 ميلادية، والذي أسّس لركائز العقيدة المسيحية وصاغ “قانون الإيمان النيقاوي” المعمول به في معظم الكنائس حول العالم حتى اليوم.
البرنامج الرسمي للزيارة يشمل:
استقبال رسمي رفيع في قصر الرئاسة التركية بأنقرة
مباحثات مع الرئيس التركي وكبار المسؤولين حول:
• قضايا التعايش الديني
• حماية التراث المسيحي والأماكن المقدسة
• وضع المؤسسات والرعايا المسيحيين في تركيا
مشاركة وفود مسيحية من مختلف أنحاء العالم

الأناضول.. قلب المسيحية الأولى
ويؤكد مؤرخون وباحثون أن للأناضول دورًا جوهريًا في نشأة المسيحية وتطورها في القرون الأولى، حيث شهدت المنطقة ظهور أوائل الكنائس والجماعات المسيحية. كما أُطلق مصطلح “المسيحيين” لأول مرة في مدينة أنطاكية الواقعة اليوم داخل الحدود التركية، وفقًا لسفر أعمال الرسل.
كما كانت كنائس سفر الرؤيا السبع — أفسس وسميرنا وبيرغامون وثياتيرا وساردس وفيلادلفيا ولاودكية — جزءًا من شبكة دينية قوية ازدهرت في غرب الأناضول، وأسهمت في نشر التعاليم المسيحية عبر العالم القديم.
ويشير خبراء إلى أن أعظم الشخصيات اللاهوتية في التاريخ المسيحي، ومنهم آباء الكنيسة الكبادوكيون، نشأت أفكارهم وترسخت مدارسهم الفكرية في هذه الجغرافيا التي مثّلت نقطة التقاء للحضارات والإمبراطوريات.

نيقية.. لحظة حاسمة صنعت عقيدة المسيح
بين عامي 325 و553، احتضنت مدن الأناضول سلسلة المجامع المسكونية، الجامعة لكل الكنائس، والتي أرست قواعد الإيمان المعتمد حتى اليوم في أبرز الطوائف المسيحية.
أما مجمع نيقية الأول عام 325، فكان نقطة التحول الكبرى. دعا إليه الإمبراطور قسطنطين لتوحيد العقيدة داخل الإمبراطورية. وهناك صيغ قانون الإيمان النيقاوي الذي رسّخ الاعتقاد بلاهوت المسيح وأنه «مساوٍ للآب في الجوهر»، منهياً الجدل الدائر حول طبيعة المسيح، ومقصياً أتباع آريوس ذوي الرأي المغاير.
إلى جانب الجانب العقائدي، أرسى المجمع هيكلة إدارية للكنيسة، مانحاً روما وأنطاكية والإسكندرية مكانة مراكز كبرى بسلطة بطريركية، وهو ما أثار لاحقاً تنافساً وانقسامات امتدت طويلاً في التاريخ المسيحي.
رمزية دينية وسياسية مزدوجة
وتكتسب الزيارة البابوية أبعادًا دبلوماسية واضحة، نظراً لكون الحبر الأعظم يشغل موقع رئيس دولة الفاتيكان، ما يجعل اللقاءات المنتظرة بينه وبين المسؤولين الأتراك محط اهتمام واسع، خصوصًا في ظل مناقشة ملفات تتعلق بالحوار الديني والتعايش المشترك وحماية التراث المسيحي في البلاد.
وسيقيم البابا قداسًا مشتركًا مع البطريرك المسكوني برثلماوس في إزنيق، وسط حضور ديني وإعلامي كثيف، حيث يُرتقب صدور تصريحات لاهوتية وتاريخية تؤكّد على أهمية هذا الحدث ومكانته في الذاكرة المسيحية.
للمسيحيين الأتراك.. اعتراف بالجذور
القس بيدر سيفيرين من كنيسة القديسة مريم العذراء في إسطنبول يصف الزيارة بأنها لحظة اعتراف بالوجود المسيحي المحلي:
“السنوات الثلاثمائة الأولى للمسيحية كانت هنا. نحن جزء من هذا البلد ونريد أن نساهم في مستقبله.”
مدينة إزنيق بدورها تستعد لاستقبال موجات من الزيارات ورجال الدين والباحثين والإعلاميين، فيما يعود العالم ليركّز أنظاره على تلك المدينة الهادئة عند ضفاف بحيرة مرمرة، حيث صيغ بيان إيمان ما زال يوحّد المؤمنين بعد 17 قرناً.
مجتمع صغير ينتظر رسالة كبيرة
من جهته، يؤكد مسؤولون كنسيون في تركيا أن الزيارة تمثل دعمًا معنويًا مهمًا للمجتمع المسيحي في البلاد، وتُرسّخ تراثًا ممتدًا لأكثر من ألفي عام من التاريخ الديني المشترك.
وقال الأب بيدر سيفيرين من كنيسة السيدة مريم أم الوردية في إسطنبول، إن “تركيا شكّلت مسرحًا لأهم مراحل المسيحية الأولى، وإن هذه الزيارة تؤكد أن المسيحيين جزء أصيل من النسيج الوطني، ولهم دور في المستقبل كما كان لهم مكان في الماضي”.
حدث يسجّل في التاريخ
ومع بدء التحضيرات النهائية وتسليط وسائل الإعلام الضوء على الفعالية، تستعيد إزنيق موقعها التاريخي كأحد أهم المراكز الروحية في العالم. ويرجّح مراقبون أن تشكّل هذه الزيارة واحدة من أبرز محطات بابوية ليو الرابع عشر، وستدوَّن ضمن الأحداث المفصلية في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وتركيا.










