تشهد وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في السعودية حراكاً تنظيمياً مكثفاً في 2025 يطال نظام العمل، وتنظيم العمالة الوافدة، وملف التوطين، بهدف رفع كفاءة سوق العمل وحماية حقوق العاملين وأصحاب العمل معاً، وسط انتقادات من بعض رجال الأعمال والوافدين بأن كثرة القرارات وسرعة تغييرها تزيد تكاليف الامتثال والضغط على القطاع الخاص.
وبينما تؤكد الوزارة أن هذه الحزمة جزء من «ضبط السوق» وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، يرى منتقدون أن الخطاب الرسمي يركز على الإنجازات أكثر من مناقشة الآثار الاجتماعية على الفئات الأضعف في السوق، خصوصاً العمالة منخفضة الأجر والمنشآت الصغيرة.
تحديثات نظام العمل والإصلاحات الرقمية
أطلقت الوزارة خلال 2025 حزمة تعديلات على نظام العمل ركزت على إلزام توثيق العقود إلكترونياً عبر منصة «قوى»، وتنظيم فترات الإشعار في الاستقالة وإنهاء الخدمة، وتشديد آليات فض نزاعات الأجور.
هذه التعديلات توصف رسمياً بأنها «نقلة نوعية» لرفع الشفافية وحماية أطراف العلاقة التعاقدية، لكنها تفرض في المقابل متطلبات تقنية وإجرائية إضافية على الشركات الصغيرة التي تفتقر غالباً لخبرات قانونية وأنظمة موارد بشرية متقدمة.
كما دفعت الوزارة باتجاه تنظيم العمل عن بُعد والعمل المرن عبر منصات إلكترونية، مع التأكيد على توثيق الاتفاقات وشروط العمل رقمياً، وهو ما يمنح العمال سنداً نظامياً لكنه يحد أيضاً من ممارسات «المرونة غير الرسمية» التي اعتاد عليها كثير من أصحاب الأعمال والعمال على السواء.
هذه الرقمنة الشاملة تجعل كل حركة في سوق العمل قابلة للتتبع والرقابة، ما يثير تساؤلات لدى بعض المنتقدين حول حدود الخصوصية وهامش التفاوض الحقيقي في العلاقة بين الطرفين.
تنظيم العمالة الوافدة وتعهيد الخدماتمن أبرز التطورات اعتماد القواعد المنظمة لتعهيد خدمات العمالة الوافدة بين المنشآت عبر منصة «أجير»، بما يسمح للشركات بتأجير عمالة موجودة داخل المملكة لتنفيذ مهام محددة تحت إشراف مباشر من منشآت مقدمة الخدمة.
يُسوَّق لهذه الخطوة باعتبارها وسيلة لرفع كفاءة استخدام العمالة وتقليل المخالفات وتصحيح أوضاع قائمة، لكنها قد تُستخدم – وفقاً لبعض التحليلات – في تدوير العمالة المؤقتة وتقليص الاستقرار الوظيفي، مع إبقاء الوافد معلقاً بين أكثر من جهة دون ضمان مسار مهني طويل الأمد.
في موازاة ذلك، شرعت الوزارة في تصنيف جديد لرخص عمل العمالة الوافدة إلى فئات مرتبطة بمستوى المهارة، على أن يبدأ التطبيق التقني منتصف 2025، وهو ما يفتح الباب لربط الرسوم والامتيازات بدرجة التأهيل والمهارة.
أنصار التصنيف يرونه أداة لتحفيز استقدام الكفاءات عالية المهارة وتقليل الاعتماد على عمالة منخفضة الإنتاجية، بينما يخشى معارضون أن يتحول إلى عبء مالي إضافي على قطاعات تعتمد تاريخياً على العمالة الرخيصة، وأن يدفع جزءاً من السوق إلى مسارات غير نظامية.
التوطين: بين المستهدفات والواقعتستمر الوزارة في توسيع نطاق برامج التوطين القطاعي عبر قرارات مرحلية تشمل مهن محددة في قطاعات مثل الرياضة، والسياحة، والمشتريات، وغيرها، مع الإعلان عن نسب مستهدفة ومتزايدة لمشاركة السعوديين في القطاع الخاص.
هذه السياسة ساهمت في رفع معدل مشاركة السعوديين في القوى العاملة إلى أكثر من نصف القوى المحلية في الربع الأول من 2025، وفق بيانات الوزارة، إلا أن منتقدين يشيرون إلى أن بعض وظائف التوطين تظل منخفضة الأجر أو قصيرة الأجل، ما يحد من أثرها الحقيقي في بناء مسارات مهنية مستقرة للشباب.
من جهة أخرى، يلفت اقتصاديون إلى أن التوسع في التوطين السريع يضغط على منشآت صغيرة ومتوسطة لا تستطيع تحمّل رواتب أعلى أو تكاليف تدريب كافية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى إغلاق أو تقليص نشاط، خاصة في القطاعات الخدمية ذات الهوامش الضعيفة.
هنا تتجدد الأسئلة المعارضة حول ما إذا كانت الوزارة تمنح هذه المنشآت ما يكفي من الدعم والمرونة الزمنية للتكيف، أم أن سباق الأرقام والمؤشرات غلب على الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية الأعمق.
السلامة المهنية والقرارات الموسميةتواصل الوزارة أيضاً تنفيذ قرارات موسمية بارزة، مثل حظر العمل تحت أشعة الشمس في أشهر الصيف، بالتعاون مع المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية، حمايةً للعمال في مواقع الإنشاءات والقطاعات الميدانية.
ورغم الترحيب الحقوقي بهذه القرارات، إلا أن بعض المقاولين يعبرون عن استيائهم من ضعف التنسيق و«المفاجآت الزمنية» في تطبيق بعض الضوابط، ما يربك جداول التنفيذ ويزيد كلفة المشاريع في بيئة تنافسية شديدة.
كما تشدد الوزارة الرقابة على التزام المنشآت بأنظمة الأجور وتوثيق العقود، مع إتاحة قنوات بلاغات إلكترونية للعمال، الأمر الذي يعزز من موقع العامل قانونياً لكنه يوسع في المقابل مساحة المخاطر النظامية التي قد يتعرض لها صاحب العمل عند أي خطأ إجرائي بسيط.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن «منجزات استراتيجية» وتقارير تبرز التقدم في مؤشرات العمل، يستمر الجدل في أوساط رجال الأعمال والمهنيين حول الكلفة الحقيقية لهذا التحول، ومن يتحمل فاتورة الانتقال من سوق عمل «مرن وغير منظم» إلى سوق «منضبط رقمياً» لكنه أكثر تشدداً في الامتثال والعقوبات.










