تشهد سوق الحبوب العالمية حالة من الارتباك بعد سلسلة قرارات صينية متتابعة بتعليق واستئناف واردات فول الصويا من مصادر مختلفة، ما خلق انطباعًا لدى البعض بأن بكين “أوقفت استيراد الفول الصويا”، بينما الحقيقة أنها تستخدم ورقة هذا المحصول الاستراتيجي كورقة ضغط تجارية وصحية، مع الإبقاء على تدفق الواردات من منافسين بدلاء.
الصين لم تتوقف عن الاستيراد بالكامل، لكنها علّقت الشحنات من وحدات وشركات بعينها في البرازيل والولايات المتحدة لأسباب صحية وتجارية، قبل أن تعود وتخفف بعض القيود ضمن تسويات أوسع مع واشنطن.
خلال العام 2025 اتخذت بكين أكثر من قرار متشدد تجاه واردات فول الصويا، من بينها تعليق مؤقت لواردات هذا المحصول من خمس شركات تصدير برازيلية كبرى بسبب ما وصفته السلطات الصينية بـ”مخالفات فنية ومعايير جودة غير مطابقة”.
هذه الشركات – وبينها وحدات تابعة لعمالقة عالميين مثل كارجيل وADM وأولام – تمثل أكثر من 30% من صادرات البرازيل من فول الصويا إلى الصين، ما يعني أن القرار لم يكن هامشيًا على مستوى الكميات.
في المقابل، لم يشمل التعليق كل الشركات أو كل الشحنات البرازيلية؛ فمئات الشركات الأخرى بقي مسموحًا لها بالتصدير، بما حمى الصين من أي نقص مفاجئ في الإمدادات.
ووفق مسؤولين برازيليين، فإن تعليق الواردات من تلك الوحدات يستمر شهرين فقط ريثما تُقدَّم تفسيرات فنية ويُعاد التوافق على الالتزام بالمعايير الصينية.
وقف الشراء من أمريكا… ثم التراجععلى الجبهة الأمريكية، مر فول الصويا بمحطة أكثر حدة، إذ كشفت تقارير تجارية أن الصين لم تستورد أي شحنة من فول الصويا الأمريكي في بعض الأشهر للمرة الأولى منذ عقود، في ذروة توتر تجاري مع واشنطن.
هذا التوقف كان جزءًا من رد بكين على الرسوم الجمركية الأميركية، حيث فضّلت التوجه بقوة نحو البرازيل والأرجنتين لسد احتياجاتها من هذا المحصول الأساسي في صناعة الأعلاف والزيوت.
لكن المشهد تغيّر في نوفمبر، عندما أنهت الصين فعليًا تعليق واردات فول الصويا من ثلاث شركات أمريكية، وأعادت منحها تراخيص الاستيراد بعد تقييم “إجراءات تصحيحية” اتخذها الجانب الأميركي، وفق بيان الجمارك الصينية.
بالتوازي، تضمن اتفاق تجاري جديد بين بكين وواشنطن التزامًا صينيًا بشراء ملايين الأطنان من فول الصويا الأمريكي خلال العامين القادمين، ما يعني تحولًا من وضع “التوقف الكامل” إلى “عودة مشروطة” ضمن صفقة سياسية أوسع.
دوافع صحية أم لعبة نفوذ؟
الخطاب الرسمي الصيني يربط قرارات التعليق بما يسميه “معايير الصحة النباتية”؛ كوجود فطريات مثل الإرجوت أو بقايا مواد تغليف ومعالجات كيميائية في الشحنات الواردة.
هذا النوع من المخالفات يعطي الصين غطاءً قانونيًا من خلال اتفاقيات الصحة النباتية الدولية لتجميد واردات شركات محددة حتى معالجة الخلل.
لكن مراقبين يرون أن التوقيت وحجم القرارات يكشفان أيضًا بعدًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا؛ فالصين تستفيد من مكانتها كأكبر مستورد لفول الصويا في العالم لتضغط على مورديها الكبار – خاصة الولايات المتحدة – خلال المفاوضات التجارية.
وفي فترات التصعيد، تتجه لزيادة حصة البرازيل والأرجنتين، ثم تعود لفتح الباب جزئيًا أمام المنتج الأميركي عندما تُعقد صفقات أوسع، كما حدث بعد الاتصال الأخير بين الرئيسين ترامب وشي، الذي أعقبته صفقات شراء أمريكية جديدة بقيمة مئات الملايين من الدولارات.
تأثير القرارات على المزارعين والأسعار
التجميد الجزئي للواردات من شركات برازيلية كبرى خلق حالة قلق في سوق التصدير هناك، نظرًا لاعتماد البرازيل بشكل كثيف على السوق الصينية التي تستوعب نحو ثلاثة أرباع صادراتها من فول الصويا.
ورغم تأكيد وزارة الزراعة البرازيلية أن قرار التعليق لن يغيّر الصورة العامة للتجارة بين البلدين، إلا أن بعض المحللين يتوقعون ضغوطًا على الأسعار وربما إعادة ترتيب عقود التوريد في الأجل القصير.
في الولايات المتحدة، أدى توقف الصين عن شراء فول الصويا لفترات متقطعة إلى تراكم مخزونات لدى المزارعين وانخفاض الأسعار المحلية لحدود لا تغطي تكاليف الإنتاج وفق تقديرات منظمات زراعية أميركية.
ومع أن الاتفاق التجاري الأخير أعاد جزءًا من الطلب الصيني، إلا أن محللين يحذرون من أن بكين باتت تمتلك خيارات بديلة قوية في أميركا الجنوبية، ما يعني أن المزارع الأميركي لم يعد يملك وضعية المورد الذي لا يمكن الاستغناء عنه كما كان سابقًا.
ماذا يعني ذلك لمستقبل تجارة فول الصويا؟
عمليًا، ما يحدث اليوم ليس “إيقافًا كاملاً لاستيراد الفول الصويا” من جانب الصين، بل إعادة توزيع واعية لمصادر الاستيراد واستخدام أداة التعليق المؤقت للواردات بهدف ضبط الجودة وكسب نقاط في سجالات تجارية وسياسية.
الصين تملك احتياطيًا استراتيجيًا كبيرًا من فول الصويا وتنوّعًا في الموردين، ما يمنحها مساحة حركة واسعة في إدارة هذه الورقة دون تهديد أمنها الغذائي.
بالنسبة للأسواق العالمية، كل خطوة تعلق فيها بكين جزءًا من وارداتها من دولة أو شركة تنعكس فورًا على الأسعار العالمية، وعلى خطط الزراعة في دول التوريد، وعلى حسابات المستثمرين في السلع الزراعية.
وبينما يبدو فول الصويا ظاهريًا مجرد محصول غذائي وصناعي، فإنه في الواقع أصبح أداة رئيسية في “دبلوماسية الحبوب” التي تمارسها الصين في مواجهة شركائها الكبار، مع حرص على ألا يتحول أي توقف مؤقت إلى أزمة إمدادات داخلية.










