صناديق بلا ناخبين وشرعية منقوصة: كواليس مهزلة انتخاب صلاح عبد الحق تحت مقاطعة محمود حسين
تعيش جماعة الإخوان حاليًا واحدة من أكثر مراحل الانكشاف الداخلي حدة، بعد تفجر فضيحة انتخاباتها الأخيرة بين جبهتي محمود حسين في إسطنبول وصلاح عبد الحق في لندن، وسط اتهامات متبادلة بتزوير التصويت والتحايل على اللائحة من أجل الاستحواذ على مفاصل التنظيم وأمواله.
وبدا المشهد كأنه حرب باردة بين أربع كتل متناحرة داخل الجماعة، تحرّكها حسابات المال والنفوذ أكثر مما تحرّكها الشعارات الدينية والتنظيمية التقليدية.
ملامح الفضيحة الانتخابية
كشفت التقارير عن أن الانتخابات التى قادتها جبهة صلاح عبد الحق المعروفة إعلاميًا بـ“جبهة لندن” جرت وسط مقاطعة كاملة من جبهة محمود حسين فى إسطنبول، إضافة إلى تيار التغيير والشباب، ما جعلها عمليًا انتخابات لفصيل واحد يدّعى تمثيل الجماعة كلها.
وتعرضت العملية لسلسلة من التأجيلات وصلت إلى ثلاث مرات بسبب الخلافات على اللائحة التنظيمية، قبل أن تُجرى في النهاية وفق اللائحة القديمة رغم إعداد تعديلات قانونية لم تُفعَّل، وهو ما فتح الباب لاتهامات بالتلاعب المسبق بقواعد اللعبة.
كما عانت الانتخابات من ضعف حاد في الإقبال، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة – بحسب التسريبات – ربع الأعضاء المسجلين، ما اضطر اللجنة المنظمة إلى تمديد التصويت أكثر من مرة لاستكمال النصاب الشكلي.
ورغم إتمام الاقتراع، ظل الطعن في شرعية النتائج قائمًا، في ظل طوابير من الشكاوى أمام لجنة الانتخابات واللجنة القانونية، بينما اعتبرت جبهة إسطنبول أن ما جرى “استفراد غير قانوني” بمفاصل التنظيم ومقدراته.
أربع جماعات فى تنظيم واحدتتوزع الانقسامات الحالية داخل الإخوان على أربع كتل رئيسية: جبهة لندن بزعامة صلاح عبد الحق، جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، تيار التغيير (المكتب العام)، إضافة إلى دوائر تنظيمية أخرى تتحرك حول شبكة التمويل والملفات الدولية.
جبهة حسين تسيطر على مساحة واسعة من القواعد التنظيمية وعلاقات المصالح فى تركيا، بينما تستند جبهة لندن إلى شرعية “القائم بالأعمال” التى ورثتها بعد وفاة إبراهيم منير، وتحاول توظيف هذه الورقة فى معركة الحسم.
أما تيار التغيير والشباب، الذى تشكل بعد 30 يونيو، فيقف خارج معادلة الانتخابات الأخيرة، ويرى أن ما يجرى مجرد إعادة توزيع للمناصب بين “العجائز” دون مراجعة لمشروع الجماعة ومسارها العنيف فى السنوات الماضية.
وتتحرك حول هذه الكتل مجموعات مصالح مرتبطة بملفات التمويل والاستثمار وملف الأسر والسجناء، ما يضاعف تشابك الصراع ويخرجه من إطار “خلاف لائحي” إلى معركة شاملة على “تركة التنظيم”.
صراع محمود حسين وصلاح عبد الحق
تشير المعطيات إلى أن محمود حسين، الذى كان أحد الأسماء الثقيلة داخل مكتب الإرشاد وأحد مهندسي الهروب إلى إسطنبول، خرج عمليًا من سباق القيادة المباشرة لصالح صلاح عبد الحق، لكنه ما زال يحتفظ بنفوذ مالي وشبكة علاقات تنظيمية واسعة.
ووفق تقديرات أمنية وبحثية، جرى الدفع باسم عبد الحق – ذي الخلفية العقائدية – كواجهة “أكثر انضباطًا” في جبهة لندن لمحاولة استعادة ثقة القواعد بعد سيل من الاتهامات المتبادلة بسرقة أموال الجماعة والمتاجرة باسمها.
فى المقابل، تراهن جبهة إسطنبول بقيادة حسين على إظهار انتخابات لندن كتحرك أحادى لا يحظى بتفويض من جسم الجماعة، وتعمل على طرح رؤى ووثائق سياسية موازية لقطع الطريق على أى محاولة لاحتكار “التمثيل الإخواني” فى الخارج.
ومع اشتداد الضغط الدولى على فروع التنظيم وبدء حديث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن تصنيف أوسع للجماعة كتنظيم إرهابي، زادت حدة تلاسن البيانات بين الجبهتين، مع اتهامات متبادلة بتوريط القواعد فى مواجهة مع الدول من أجل حماية مصالح ضيقة.
المال… كلمة السر فى المعركة
ترتبط فضيحة الانتخابات مباشرة بملف الأموال؛ فالتقارير تشير إلى حالة استنفار داخلية لحماية شركات وكيانات اقتصادية مرتبطة بالجماعة فى أكثر من دولة، على خلفية قرارات غربية وإقليمية تستهدف تشديد الرقابة على تمويل التنظيم.
وتتهم بعض الأصوات البحثية قيادات الأجنحة المختلفة بمحاولة استخدام الانتخابات كغطاء لإعادة توزيع السيطرة على “صناديق الجماعة”، من شركات استثمارية وحتى جمعيات خيرية، بعيدًا عن أى شفافية أو رقابة من القواعد.
هذا البعد المالي انعكس بوضوح فى خطاب الجبهات؛ فبدلًا من التركيز على مراجعة فكرية أو سياسية، تفرغت البيانات لتبادل اتهامات بالاستحواذ على المخصصات، وإقصاء المخالفين من قوائم التصويت، وشراء الولاءات داخل الكتل التنظيمية فى الخارج.
وهكذا، تحولت انتخابات الإخوان من مناسبة لإعادة ترتيب البيت المنهار إلى مرآة كاملة لانقسام عميق، تتصارع فيه أربع جماعات على جسد واحد، بينما تنكمش بقايا القواعد بين شعور بالخديعة وخوف من المستقبل المجهول للتنظيم.










