أبو عبيدة، المتحدث العسكري باسم كتائب القسام، عاد ليتصدر واجهة الأخبار خلال الساعات الأخيرة، ليس عبر خطاب جديد هذه المرة، بل من خلال اختراق إلكتروني لشاشات محطات حافلات في مستوطنات إسرائيلية، وبث تسجيلات صوتية بصوته وخطابات سابقة له، ما أثار حالة ذعر واسعة في الشارع الإسرائيلي وأعاد اسمه إلى واجهة الحرب النفسية والإعلامية.
هذا التطور جاء بعد أشهر من خطاب مصور أخير في يوليو 2025، ظهر فيه متحديًا ومستعرضًا استراتيجية «حرب استنزاف طويلة» ضد الاحتلال، في وقت تستمر فيه قراءات وتحليلات واسعة لأثر رسائله على الداخل الإسرائيلي والرأي العام العربي.
اختراق الشاشات: صوت واحد يرعب الشارع
في 26 و27 نوفمبر الجاري، شهدت محطات حافلات في مستوطنة «موديعين» ومدن أخرى داخل إسرائيل اختراقًا سيبرانيًا لمنظومة الشاشات الإلكترونية، حيث بثت تسجيلات صوتية لخطابات سابقة لأبي عبيدة، مصحوبة بأناشيد وطنية فلسطينية وصفارات إنذار، في مشهد وثقته مقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع.
هذه الأصوات، وفق تقارير عبرية وعربية، تسببت في حالة ذعر وربكة بين المستوطنين المتواجدين في محطات الانتظار، خاصة وأنها جاءت في توقيت حساس يشهد توترًا أمنيًا متصاعدًا.
وزارة المواصلات الإسرائيلية أعلنت فتح تحقيق واسع لتحديد مصدر الاختراق، وسط ترجيحات بأنه ناجم عن هجوم سيبراني استهدف نظام شاشات شركة «Urban Digital» المسؤولة عن الإعلانات والمعلومات في تلك المحطات، وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه المنظومة لمثل هذا النوع من الهجمات.
الحادثة اعتُبرت مؤشرًا جديدًا على تصاعد «الجبهة الإلكترونية» في الصراع، واستخدام صورة وصوت أبو عبيدة كسلاح معنوي مباشر في قلب المدن الإسرائيلية.من «إعلان اغتياله» إلى حضور فعلى
متجددالاختراق الأخير جاء بعد أسابيع من جدل واسع حول مصير أبي عبيدة، عقب إعلان إسرائيل في أكثر من مناسبة خلال حرب غزة أنها «استهدفته» أو «اغتالته»، قبل أن يعود اسمه للواجهة مع تداول مقاطع تؤكد أن آخر خطاب مصور له يرجع إلى 18 يوليو 2025، وأنه لا توجد أدلة حاسمة على مقتله حتى اللحظة.
في المقابل، استثمر أنصار المقاومة هذا الغموض لإبقاء صورته حاضرة كرمز معنوي، سواء عبر إعادة بث خطاباته أو نشر تسجيلات منسوبة له على منصات التواصل.
تقارير إعلامية عربية رأت أن إعادة بث صوته داخل العمق الإسرائيلي – حتى وإن كانت عبر هاكرز لا يرتبطون مباشرة بالقسام – تعكس حجم الرمزية التي اكتسبها أبو عبيدة خلال سنوات الحرب على غزة، إلى درجة أن مجرد سماع صوته المسجل يمكن أن يتحول إلى مصدر «هلع» في الشارع الإسرائيلي.
هذه الرمزية تعززت مع اختيار كلمات عالية السقف في خطاباته الأخيرة، ركز فيها على طول أمد الحرب والاستعداد لـ«معركة وقت واستنزاف» بدلًا من معارك خاطفة قصيرة.
خطاب يوليو 2025: ملامح استراتيجية الاستنزافآخر خطاب مصور واسع التغطية لأبي عبيدة ظهر في منتصف يوليو 2025، في اليوم رقم 651 من الحرب على غزة، حيث تحدث عن انتقال المقاومة إلى مرحلة «الاستنزاف الطويل» القائم على ثلاث ركائز: إيقاع أكبر عدد من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، تنفيذ عمليات من مسافة صفر، والسعي لأسر جنود بدلًا من قتلهم لاستثمارهم في ملفات التفاوض.
محللون عسكريون رأوا في هذا الطرح إعلانًا صريحًا عن تغيير تكتيكي واستراتيجي، يحمّل الاحتلال كلفة بشرية ونفسية عالية مع مرور الوقت.
الخطاب نفسه حمل رسائل سياسية حادة للوسط العربي والإسلامي، اعتبر فيها أن صمود غزة لا يمكن أن يقابل بـ«صمت عربي طويل»، وأن القوى الشعبية والحزبية مطالبة بالتحرك بأدوات جديدة تتجاوز البيانات التقليدية.
هذه اللغة رفعت من منسوب التفاعل في الشارع العربي، وجعلت من كل ظهور لأبي عبيدة – ولو كان مسجلًا – مادة دسمة للتحليل والتأويل بين مؤيديه وخصومه.
معركة الصورة والحرب النفسيةفي الداخل الإسرائيلي، تتابع مراكز أبحاث وإعلامية تأثير خطابات أبي عبيدة على الرأي العام، إذ تؤكد تقارير منشورة أن صوته وصوره، المصحوبة أحيانًا بمشاهد لصواريخ وضربات مؤلمة، باتت عنصرًا أساسيًا في «حرب الأعصاب» بين المقاومة والاحتلال.
وكالة «رويترز» الخاصة بالتحقق من الأخبار أشارت في تقرير سابق إلى أن مقاطع قديمة للرجل يعاد تدويرها باستمرار على أنها «جديدة»، ما يعكس مدى حساسية المتابعين لأي ظهور يحمل اسمه.
الاختراق الأخير لشاشات الحافلات وإعادة بث صوته في محيط المستوطنات قدم مثالًا عمليًا على هذه الحرب النفسية؛ فمن جهة، تحاول إسرائيل تأكيد السيطرة على «الرواية» ومصادر البث والإعلام، بينما يكسر ناشطون مجهولون هذه الهيمنة عبر رسائل قصيرة لكنها عالية التأثير.
في هذه المعادلة، لم يعد أبو عبيدة مجرد متحدث باسم جناح عسكري، بل تحول إلى «أيقونة صوتية ومرئية» توظّف في الفضاء الرقمي كسلاح مستقل.
بهذا المشهد، تبدو آخر أخبار أبي عبيدة خليطًا بين واقع عسكري وسياسي معقد وغموض متعمد حول مصيره الشخصي، مع استمرار حضوره القوي في فضاء الحرب النفسية، من شاشات غزة إلى شاشات محطات الحافلات في العمق الإسرائيلي.













