عفو على جثث الضحايا ؟…كيف يحاول نتنياهو استخدام حرب غزة للهروب من المحاكمة
تشهد الساحة الإسرائيلية تصعيدًا سياسيًا وقانونيًا حادًا حول بنيامين نتنياهو، بعد طلبه الرسمي من الرئيس إسحاق هرتسوج العفو عن تهم الفساد الموجهة إليه، ومحاولته تأجيل جلسات محاكمته، في ظل غضب شعبي واحتجاجات تتهمه بالهروب من العدالة واستغلال الحرب للبقاء في السلطة.
يتزامن ذلك مع ضغوط داخلية وخارجية متزايدة بسبب استمرار الحرب على غزة ورفض الحكومة تشكيل لجنة تحقيق حقيقية في فشل 7 أكتوبر، ما يفاقم الانقسام داخل إسرائيل حول شرعية بقائه في الحكم.
“”شارع يغلي ورئيس يساوم: إسرائيل بين دولة قانون ودولة نتنياهو””من الفشل الأمني إلى صفقات العفو: هل تنهار إسرائيل سياسيًا قبل عسكريًا؟””هرتسوج في مأزق ونتنياهو يناور: هل يتحول العفو إلى شهادة وفاة للديمقراطية الإسرائيلية؟”
طلب العفو وتأجيل المحاكمة
أحدث تطور هو تقدم نتنياهو بطلب رسمي إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج للحصول على العفو في قضايا الفساد والرشوة وخيانة الأمانة التي يحاكم عليها منذ 2020، بحجة أن إنهاء المحاكمة يخدم “المصلحة العامة” ويُنهي حالة الانقسام السياسي.
هذا الطلب وُصف بأنه استثنائي، خاصة أنه لم يسبقه اعتراف بالذنب أو إعلان اعتزال الحياة السياسية، وهو ما تراه المعارضة محاولة صريحة لإغلاق الملفات القضائية دون محاسبة حقيقية.
بالتوازي، طلب نتنياهو إلغاء أو تأجيل جلسة محاكمته المقررة، بدعوى انشغاله بملفات سياسية وأمنية، ما دفع النيابة للموافقة المشروطة على إعادة جدولة جلسات الاستماع، في خطوة اعتبرها منتقدوه تسييسًا صارخًا للقضاء.
ويواجه نتنياهو عدة ملفات فساد معروفة باسم القضايا 1000 و2000 و4000، تشمل اتهامات بالحصول على هدايا ثمينة من رجال أعمال والتلاعب بتغطية إعلامية مقابل امتيازات حكومية.
انقسام داخلي وضغوط على الرئيس هرتسوج
طلب العفو فجّر موجة غضب في الشارع؛ إذ خرج متظاهرون أمام منزل الرئيس هرتسوج لرفض أي خطوة تمنح نتنياهو عفوًا أو حصانة، معتبرين أن ذلك “مكافأة على الفساد” و”عارًا على إسرائيل” بحسب شعارات نُقلت في وسائل الإعلام.
المتظاهرون يطالبون باحترام استقلال القضاء، وعدم تحويل منصب الرئاسة إلى مظلة حماية لرئيس حكومة متهم في قضايا خطيرة ومسؤول عن واحدة من أسوأ الكوارث الأمنية في تاريخ الكيان.
التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن هرتسوج يدرس الطلب بحذر شديد، وسط تسريبات عن سيناريو “عفو مشروط” يتضمن اعترافًا بالذنب واعتزالًا نهائيًا للسياسة، وهو ما ترفضه حاليًا أوساط داخل الليكود وحلفاء نتنياهو.
في المقابل، تضغط المعارضة بقيادة يائير لابيد وجهات حقوقية لمنع أي عفو من دون محاكمة كاملة، محذّرين من تقويض سيادة القانون وضرب ما تبقى من الثقة بالنظام القضائي.
الحرب على غزة ورفض المحاسبةعلى الصعيد الميداني، يواجه نتنياهو انتقادات متصاعدة داخليًا بسبب استمرار الحرب على غزة دون أفق سياسي واضح، وسط اتهامات بأنه يطيل أمد العمليات العسكرية لتأجيل استحقاقات المحاسبة على فشل 7 أكتوبر.
تقارير صحفية، منها ما نشرته “هآرتس” ووسائل غربية، تتهمه باستغلال “صدمة 7 أكتوبر” كورقة سياسية يعيد عبرها تقديم نفسه كـ”رجل الأمن” القادر على التصعيد في غزة ولبنان، متجاهلًا مسؤوليته عن الانهيار الاستخباراتي والعسكري الذي سبق الهجوم.
نتنياهو يرفض حتى الآن تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في أحداث 7 أكتوبر، مكتفيًا بلجنة “شكلية” تعيّن الحكومة أعضاءها، وهو ما يعتبره محللون “تدميرًا لمبدأ الدولة” لأن المتهم يصبح هو من يختار من يحقق معه، في التفاف واضح على آليات المحاسبة.
هذا الموقف يغذي اتهامات المعارضة بأنه يضع بقاءه السياسي فوق الاعتبارات الأمنية والمؤسسية، ويمنع أي مسار حقيقي لتحديد المسؤوليات.
احتجاجات داخلية وغضب متصاعد
بعد هدوء نسبي، عادت الاحتجاجات المناهضة لحكومة نتنياهو إلى شوارع تل أبيب ومدن أخرى، حيث يصف المحتجون حكومته بأنها “حكومة الخراب” ويتهمونها بتدمير الديمقراطية وإغراق إسرائيل في حروب بلا نهاية.
المظاهرات ترفع ثلاثة مطالب رئيسية: الدفاع عن ما يسمونه “الديمقراطية الإسرائيلية”، وفتح تحقيق شامل في إخفاقات 7 أكتوبر، ورحيل نتنياهو عن المشهد السياسي.
في الخلفية، يعاني الاقتصاد من تبعات الحرب الطويلة، مع مؤشرات على تراجع النمو، واضطراب سوق العمل، وتزايد تكلفة العمليات العسكرية، وهي عوامل تضيف ضغوطًا اجتماعية واقتصادية جديدة على حكومة نتنياهو.
خصومه في الداخل يحذرون من أن الإصرار على الجمع بين إدارة حرب مفتوحة ومعركة قانونية شخصية، يضع الكيان أمام خطر “انهيار داخلي” كما وصفت بعض الصحف الإسرائيلية الوضع الراهن.
نتنياهو بين البقاء والرحيل
المشهد الحالي يضع نتنياهو في معادلة معقدة: بين محاولة إغلاق ملفات الفساد عبر العفو، والحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني، وإدارة حرب مكلفة في غزة وملفات توتر في لبنان، وتزايد عزلة حكومته على الساحة الدولية.
في المقابل، تتوسع جبهة من يرى أن أي عفو أو بقاء له في السلطة يكرس نموذجًا خطيرًا يفلت فيه المسؤولون الكبار من المحاسبة، ما يضرب جوهر الدولة والقانون في الصميم.
وبين ضغوط الشارع، وترقب قرار هرتسوج، واستمرار الملفات الدولية ضده، بما في ذلك مذكرة المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بجرائم الحرب في غزة، يبدو أن مسار نتنياهو السياسي والقانوني دخل مرحلة حرجة قد تحدد ما إذا كان سيغادر المشهد تحت ضغط العفو المشروط أو السقوط السياسي، أم ينجح في فرض معادلة جديدة تُبقيه في الحكم رغم كل شيء.










