تقرير تحليلي يكشف جذور الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن، من التحالف ضد الحوثيين إلى صراع النفوذ في حضرموت والمهرة، وتأثير ذلك على وحدة اليمن وأمن المنطقة.
لم يعد المشهد اليمني في نهاية عام 2025 مجرد ساحة حرب داخلية أو صراع إقليمي غير مباشر، بل بات مرآة واضحة لتصدّع عميق داخل التحالف الذي قاد التدخل العسكري منذ عام 2015. فبعد اتهامات سعودية غير مسبوقة للإمارات بالوقوف خلف تحركات عسكرية في شرق اليمن، وتصعيد حكومي يمني وصل إلى حد تعليق الاتفاقات الدفاعية والمطالبة بانسحاب القوات الإماراتية، خرج الخلاف إلى العلن، كاشفاً عن صراع مصالح لم يعد من الممكن احتواؤه خلف البيانات الدبلوماسية.
ما جرى في حضرموت والمهرة خلال ديسمبر 2025 لا يمكن اعتباره حادثاً أمنياً عابراً، بل يمثل ذروة مسار طويل من التباينات بين الرياض وأبوظبي، مسار بدأ خفياً في السنوات الأولى للحرب، ثم تصاعد تدريجياً مع تغيّر الأولويات، وتباين الرؤى حول شكل اليمن ومستقبله السياسي والجغرافي.
من تحالف الضرورة إلى تباين الأجندات
دخلت السعودية والإمارات حرب اليمن تحت مظلة واحدة، عنوانها المعلن دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ووقف تمدد جماعة أنصار الله الحوثية التي سيطرت على صنعاء عام 2014. بالنسبة للرياض، كان اليمن ولا يزال ملف أمن قومي بامتياز، بحكم الحدود الطويلة التي تتجاوز 1300 كيلومتر، وما ترتب على الحرب من تهديدات مباشرة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق السعودي ومنشآته الحيوية.
أما الإمارات، فقد شاركت بوصفها شريكاً رئيسياً في التحالف، لكنها سرعان ما ركزت عملياتها على الجنوب والساحل الغربي، حيث نشرت قوات على الأرض، وأسهمت في طرد الحوثيين من عدن عام 2015، ثم شرعت في بناء شبكة من القوى المحلية الحليفة لها، سيطرت عبرها على موانئ ومناطق استراتيجية، من عدن إلى سقطرى.
في السنوات الأولى، بدا هذا التوزيع في الأدوار متكاملًا: السعودية تقود الضربات الجوية وتوفر الغطاء السياسي، والإمارات تنفذ عمليات برية سريعة عبر قوات محلية مدعومة ومدربة. غير أن هذا التوازن كان هشاً، إذ أخفى خلفه اختلافاً جوهرياً في النظرة إلى اليمن: دولة موحدة مركزية كما تريدها الرياض، أم جنوب يتمتع بحكم ذاتي واسع أو حتى انفصال، كما تبناه عملياً حلفاء أبوظبي.
المجلس الانتقالي… نقطة الاشتباك الأساسية
بلغ التباين ذروته عام 2019 عندما اندلعت مواجهات دامية في عدن بين قوات الحكومة الشرعية المدعومة سعودياً وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً. انتهت تلك الجولة بسيطرة الانتقالي على المدينة، وطرد الحكومة مؤقتاً، في مشهد كشف بوضوح تضارب الأجندات داخل التحالف نفسه.
تدخلت الرياض آنذاك لرأب الصدع عبر اتفاق الرياض، الذي سعى إلى تقاسم السلطة ودمج القوات، لكنه ظل حبراً على ورق في كثير من بنوده. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف التمدد السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي، وسط دعم إماراتي غير معلن، مقابل محاولات سعودية متكررة للحفاظ على وحدة الشكل السياسي للدولة اليمنية.
تصعيد 2025: حضرموت والمهرة على خط النار
في ديسمبر 2025، انتقل الخلاف من السجال السياسي إلى المواجهة المباشرة. فقد نفذ المجلس الانتقالي الجنوبي عمليات عسكرية واسعة في حضرموت والمهرة، وسيطر على منشآت ومعسكرات ومواقع نفطية، في تحرك اعتبرته الرياض تجاوزاً للخطوط الحمراء، نظراً لقرب تلك المناطق من الحدود السعودية والعمانية، وحساسيتها الأمنية والاقتصادية.
السعودية ردت بلهجة غير مسبوقة، متهمة الإمارات صراحة بالضغط على قوات الانتقالي للتصعيد العسكري، ووصفت هذا الدعم بأنه “بالغ الخطورة” ويشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولم تكتفِ الرياض بالبيانات، بل نفذت ضربة جوية محدودة على ميناء المكلا، بعد رصد سفن قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي محملة بمعدات عسكرية دعماً لقوات الانتقالي، في رسالة واضحة بأن الصبر السعودي بلغ حدوده.
في موازاة ذلك، أعلن رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي تعليق الترتيبات الدفاعية مع الإمارات، وطالب بانسحاب قواتها خلال 24 ساعة، وفرض إجراءات طوارئ للسيطرة على المنافذ، في خطوة عكست حجم الانقسام داخل معسكر “الشرعية” نفسه.
الإمارات تنفي… لكن الأسئلة تبقى
من جانبها، سارعت أبوظبي إلى نفي الاتهامات، مؤكدة أنها أنهت وجودها العسكري في اليمن منذ 2019، وأن ما تبقى كان يندرج في إطار جهود مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع شركاء دوليين. كما أعلنت لاحقاً إنهاء حتى هذا الوجود المحدود، حرصاً على سلامة قواتها.
غير أن هذه الرواية تصطدم بتقارير وتحقيقات استقصائية، بينها تحقيقات لبي بي سي، كشفت عن دعم إماراتي طويل الأمد لقوات محلية، وتورط في عمليات اغتيال سياسية، واستخدام مرتزقة أجانب، بل وتجنيد عناصر سابقة في تنظيم القاعدة ضمن تشكيلات أمنية محلية، وهي اتهامات نفتها الإمارات رسمياً، لكنها لا تزال تلقي بظلال ثقيلة على دورها في الجنوب اليمني.
إلى أين يتجه الصراع؟
اليوم، يقف اليمن أمام مشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى: جماعة الحوثيين تسيطر على الشمال، الجنوب منقسم بين قوى متناحرة، والتحالف الذي دخل الحرب موحداً بات يعاني من انقسامات علنية. السعودية تبدو مصممة على منع أي كيان مسلح خارج سيطرة الدولة على حدودها، فيما يواصل المجلس الانتقالي، بدعم إماراتي سابق أو قائم، التمسك بمشروع “استعادة دولة الجنوب”.
في ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال فقط عن دور السعودية والإمارات في اليمن، بل عن الثمن الذي يدفعه اليمنيون أنفسهم نتيجة صراع النفوذ الإقليمي، وعن مستقبل بلد أنهكته الحرب، وتحوّل من ساحة مواجهة مع الحوثيين إلى ساحة تصفية حسابات بين حلفاء الأمس.










