حبوب منع الحمل في قفص الاتهام: كيف تحوّل جسد المرأة إلى ساحة معركة ديموغرافية في الصين؟
تفرض الصين حاليًا ضريبة قيمة مضافة بنسبة 13% على الواقي الذكري وحبوب منع الحمل وغيرها من وسائل منع الحمل، ما يعني عمليًا رفع أسعارها للمستهلكين في إطار حزمة أوسع من السياسات الهادفة إلى رفع معدلات المواليد في ظل أزمة ديموغرافية حادة وتراجع مستمر في عدد السكان.
هذا القرار يمثل تحولًا جذريًا عن عقود من الإعفاءات الضريبية التي كانت تمنح لوسائل منع الحمل في حقبة سياسة الطفل الواحد، حين كانت بكين تشجع بقوة على تقليل النسل، لكنه اليوم يُقرأ كجزء من توجه “تشجيع الإنجاب” عبر جعل منع الحمل أقل رخصًا وأكثر كلفة نسبيًا، مقابل تقديم إعفاءات ودعم مباشر لخدمات رعاية الأطفال والزواج.
بدءًا من مطلع 2026، أصبحت وسائل منع الحمل في الصين، وبينها الواقي الذكري وحبوب منع الحمل، خاضعة لضريبة قيمة مضافة تصل إلى 13% بعد أن كانت معفاة منذ أوائل التسعينيات، ما يرفع الأسعار بشكل مباشر على المستهلك النهائي.
الإعفاء الضريبي الذي استمر نحو ثلاثة عقود كان جزءًا من ترسانة سياسة الطفل الواحد، إذ أرادت الدولة حينها جعل وسائل منع الحمل متاحة ورخيصة للحد من النمو السكاني، لكن التشريع الضريبي الجديد حذف هذه المنتجات من قائمة السلع المعفاة، في حين منح إعفاءات لخدمات رعاية الأطفال، ودور الحضانة، ومؤسسات رعاية المسنين، وخدمات التوفيق والزواج.
السبب الأول: أزمة المواليد والذعر الديموغرافي
الصين تواجه منذ سنوات تراجعًا قياسيًا في معدلات المواليد، مع انخفاض معدل المواليد إلى مستويات تاريخية وبدء تقلص إجمالي عدد السكان لسنوات متتالية، ما يهدد بتسارع الشيخوخة ونقص الأيدي العاملة وتباطؤ النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
في هذا السياق، تُقدَّم “ضريبة الواقي الذكري” كأداة ضمن حزمة سياسات مناوِلة للاتجاه السابق؛ فالدولة تحاول خفض مستوى قبول وتسهيل منع الحمل، بالتزامن مع رفع الحوافز المالية والضريبية للإنجاب، أملاً في زيادة معدلات الخصوبة التي بقيت منخفضة رغم السماح بطفلين ثم ثلاثة أطفال لكل أسرة.
السبب الثاني: رسالة رمزية وسياسة “تشجيع الإنجاب”
خبراء ديموغرافيا وصفوا القرار بأنه “رمزي” بقدر ما هو اقتصادي؛ فالفارق المالي الفعلي في سعر علبة الواقي الذكري أو شريط حبوب منع الحمل لا يقترب بأي حال من التكلفة الهائلة لتربية طفل في المدن الصينية الكبرى، لكن الرسالة السياسية واضحة: الأولوية الآن ليست لمنع الحمل بل لتشجيع الولادات.
بالتوازي، أقرت الحكومة إعفاءات ضريبية واسعة للحضانات وخدمات رعاية الأطفال وخدمات الزواج، وطرحت برامج دعم نقدي مباشر للأسر عن كل طفل حتى سن الثالثة، بالإضافة إلى توسيع إجازات الأمومة والأبوة، في محاولة “لتلطيف” صورة الدولة بعد عقود من التحكم الصارم في الخصوبة.
انتقادات داخلية وخارجية للقرار
على وسائل التواصل الاجتماعي في الصين، سخر كثيرون من القرار باعتباره يمس “تفاصيل الحياة الخاصة” دون أن يعالج السبب الحقيقي لرفض الشباب الإنجاب، والمتمثل في ارتفاع تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية وضغوط العمل، معتبرين أن زيادة سعر الواقي الذكري لن تجعل الأطفال أرخص.
منظمات وناشطون وخبراء صحة عامة حذروا من أن رفع أسعار وسائل منع الحمل قد يحد من وصول الفئات الأفقر والشباب إليها، ما يرفع احتمالات الحمل غير المرغوب فيه، ويزيد مستويات الأمراض المنقولة جنسيًا، ويؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات الإجهاض وكلفة الرعاية الصحية، وهو عكس ما يفترض أن تسعى إليه السياسات السكانية الرشيدة.
تغير فلسفة الدولة تجاه الجسد والخصوبة
قرار فرض الضرائب على الواقي الذكري وحبوب منع الحمل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة الدولة تجاه الجسد والخصوبة؛ فبعد عقود كانت فيها السلطة تتدخل لتقليل الإنجاب عبر الدعاية والإكراه أحيانًا، تنتقل اليوم إلى نمط تدخل “معاكس” يحاول دفع الناس للإنجاب عبر تشجيع، وضغط غير مباشر، ومسّ القدرة على التحكم الفردي في الخصوبة.
في نظر منتقدين، لا يزال القاسم المشترك هو أن الدولة ترى في الأجساد وأعداد الأطفال “ملفًا استراتيجيًا” قبل أن يكون قرارًا شخصيًا للأفراد، ما يفتح نقاشًا واسعًا حول حقوق النساء، وحرية اتخاذ القرار بشأن الإنجاب، وحدود تدخل الحكومات في أكثر تفاصيل الحياة خصوصية، حتى لو تم ذلك عبر ضريبة تبدو صغيرة لكنها محملة بدلالات سياسية واجتماعية كبيرة.










